الصفحة 141 من 212

مظاهرة الحج الكبرى تواضع الناس على اعتبار المظاهرات الوطنية النبيلة تقليدا حسنا، ورأوا في احتشاد الجموع الغفيرة، وانطلاقها إلى هدف مرسوم، وصياحها بكلمات معينة، رأوا في ذلك ترجمة قوية عما يجيش بأنفسهم من آمال ومطالب، وإذا كانت هذه المظاهرات إبانة صارخة عن روح الجماعة، فهى دافع عميق الأثر في مسلك الفرد، يقتل أسباب الضعف والتردد في نفسه. وقد انتشرت سنة المظاهرات في الشرق والغرب، وانتظم في مواكبها القادة والعلماء والوزراء وأساتذة الجامعات الكبرى ورجال القضاء، فضلا عن الألوف المؤلفة من الطلاب والعمال. وقد أحسست ببعض الأسرار التى ينشدها الإسلام من فريضة الحج عندما أمر أتباعه بالانتظام في أروج مظاهرة تسوق الأمم سوقا إلى البيت العتيق، وتدعوهم أن ينطلقوا إليه رجالا وركبانا من كل فج عميق.. أحسست بأن صوت الإيمان الذى كان يهمس في نفسى قد بدأ يعلو رويدا رويدا، وأن خفوته قد استحال إلى صراخ يهز جوانب القلب كما يهز بطون الأودية... كانت حناجرنا تهتف بقوة- لا بموت فلان أو حياته- بل تهتف لله وحده، منيبة ملبية ذاكرة شاكرة... والحياة الفاضلة والمثل العالية تكسب الكثير من ارتفاع العقائر بهذا الهتاف الجليل، ولا تحسبن صداه ينتهى بانفضاض مواكب الحجيج وانقضاء الأشهر المعلومات. كلا فعجيج الجماهير الحاشدة، تذكر الله حول المناسك المقدسة يترك في النفوس آثارا لا تنمحى، وإنه ليخيل إلى أن الحج- بهذا الهتاف المفروض في شعائره- يرتقى باليقين من معنى مستكن في الضمير، إلى مبدأ يتواصى الناس به ويجتمعون عليه، أو أنه يفتح البراعم المضمومة على أزهارها ليصل بها إلى مرتبة الكمال والنضج، فإذا هى روح وريحان وجنة نعيم... ويخيل إلى أن المناسك كلها أشكال غير مقصودة لذاتها، إنما قصدت لذكر الله عندها، واستقراء الآيات النازلة في الحج يشهد لذلك، ففى التعليل لحكمة الحج يقول: ص _142

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت