الصفحة 189 من 212

قصة أسير مسلم سيق الأسرى إلى قصر الأمير، وكانت وجوههم ساهمة طبعها الحزن بمعالمه الكئيبة، وكيف لا يألمون لهذا المصير السىء وهم يخترقون بلاد الروم منكسرين لا منتصرين كما كانوا يأملون؟. ونظروا إلى زميلهم"واصل"الشاب الفقيه الذى ترك دراسته بدمشق واكتتب في هذه الغزاة الفاشلة. وكان"واصل"يبدو غير مكترث بما حدث، فقد استمع إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم"ما من سرية ترجع غانمة إلا تعجلت أكثر أجرها، وما من سرية تروع وتحرج إلا استوفيت أجرها كله"ولكن"واصلا"كان مكتئبا لأمر واحد، فهو يعلم أن الأمير بشيرا الذى يساقون إلى قصره كان مسلما ثم ارتد، وأن ثمن ردته هذه الإمارة العريضة التى يتطاول فيها! واستعرض بشير الأسرى وكانوا ثلاثين، سألهم عن دينهم، وجادلهم في بعض عقائده، فلما جاء دور"واصل"أبى أن يرد عليه بشىء فقال له: ما لك لا تجيبنى؟ فقال: لست مجيبك اليوم بشىء، فقال: إنى سائلك غدا فأعد لى جوابا، وجاء الغد، وأدخل"واصل"على الأمير الذى بادره الحديث بعد حمد الله والثناء عليه قائلا: عجبا لكم معشر العرب حيث تكفرون بألوهية عيسى وتقولون: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) . وما يستوى عبد ورب..!! ورأى"واصل"أن يستأمن لنفسه قبل أن يجيب، فاستوثق لحياته قدر ما يدافع عن عقيدته، فلما اطمأن قال لمحدثه: أما حمدك الله وثناؤك عليه فقد أحسنت الصفة، وهذا مبلغ علمك واستحكام رأيك، والله أعز وأجل مما وصفت، وأما ما ذكرت من صفة هذين الرجلين عيسى وآدم فقد أسأت وأخطأت! ألم يكونا يأكلان ويشربان، ويبولان ويتغوطان، وينامان ويستيقظان، ويفرحان ويحزنان؟. ص _188

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت