فهرس الكتاب
ولم يؤثر عنه قول أو عمل يومئ إلى هذه الناحية، والعظماء النفسانيون في ذلك غير العظماء الربانيين. الأولون يريدون أن يفرضوا نفوسهم عباقرة ممتازين، وليس يضر الواحد منهم أن يصادر في رزقه، ولكنه لا يقر له قرار إذا خدش امتيازه أو استهين بعبقريته. إنه لا يفرط أبدا في حقوقه، بل يرد عنه جحود أعدائه بكل ما أوتى من قوة، ولا يحزنه أبدا- وهو يقمع كيدهم- أن يراهم أمامه صرعى. أما الأنبياء، أما سيد الأنبياء، فهل ترى سمة الاعتداد بالنفسى واحتقار الأعداء والسطوة الأدبية في مثل ما يتلوه محمد صلى الله عليه وسلم في كتابه: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب) . (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) . (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين) . (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) . وشاء الله أن يكافئ هذا النبى الكريم الذى برئ من طلب الجاه الأدبى فأضفى عليه حللا من المجد لا تبلى: شرح له صدره، ورفع له ذكره، وأعلى له قدره، و... ومع ذلك فهناك ضروب من الزهد المادى ، هى في روعتها آية على النبوة، وإلا فكيف تفسر إباء الرسول صلى الله عليه وسلم أن يوسع على زوجاته من متاع الدنيا الحلال وتنزل آيات التخيير: (إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا) . إن الزاهد قد يرتضى الشظف لذات نفسه، أما أن يفرضه على بيته وقرناء حياته، فذاك مثار العبرة. ص _066