الصفحة 76 من 212

الهجرة عقيدة.. وتضحية.. وحب.. وفداء مكث الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاما في مكة يدعو إلى الله على بصيرة، ويهدى الناس إلى الحق في تؤدة ومهل، ويفك أغلال القرون الأولى، ليرد على البشر كرامتهم المفقودة. وما كرامة البشر إلا كرامة الفطرة السليمة، والقلب المستنير، والعقل الرشيد. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في دعايته لدينه، سهلا واضحا مطمئنا إلى نصاعة الحق الذى شرفه الله به، فهو لا يطلب من الناس إلا أن يمكنوه من شىء واحد. أن يتركوه يلقى ما معه بين أيديهم. وأن يسلطوا عليه أفكارهم وحدها! فإما قبلوه بعد، وإما رفضوه. وهو لم يجنح في سبيل الانتصار لدينه إلى أساليب الدعاية الملتوية، ولم يتكلف في تأليف أنصاره أو رد خصومه، وسائل الإغراء والإغواء، فإن ذلك ليس شرفا للدعوات المعتادة، فما بالك بدعوة أودع الله في تعاليمها عناصر الديانات السابقة، وأودع في قواعدها حاجات العصور المتلاحقة؟ لا جرم أنها أسمى مكانا من أن تقوم إلا على الحق وحده. وأين يستطيع الناس ميز الحق من الباطل؟ في جو الحرية النقى من شوائب الضغط والقسوة والاستبداد. في هذا الجو تتنازع المبادئ، وتتدافع المذاهب، ولكن النتيجة محتومة . (.. فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ..) . والأغبياء والطغاة يكرهون أبدا حرية الرأى، لأنهم يعيشون في ظلال الجدران التى تسجن وراءها كرامة البشر النفسية والفكرية. وطالما قال الرسول صلى الله عليه وسلم للمشركين: (لكم دينكم و لي دين) . فأبوا إلا أن يقولوا له: لنا ديننا وليس لك دينك! ص _077

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت