فهرس الكتاب
ومن ثم سلطت القوة الجائرة لمحاولة إسكات الألسنة التى تجهر بالقرآن-والقرآن هو يومئذ صحافة المسلمين التى تنطق باسمهم وتنافح عنهم- واتبعت الطرائق الصبيانية للتشويش عليه وفض الناس عنه: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) !. وكذلك سلطت الفتنة القاهرة على المستضعفين من المؤمنين، فشرد من شرد، وقتل من قتل، وشعر المؤمنون الباقون على عقيدتهم، بالمغارم الفادحة التى تحل بهم، ولكنهم صبروا على المكاره إيمانا واحتسابا، وتطلعا إلى ما عند الله. هل كان القرآن جديرا بهذه المواجهة العنيفة التى قوبل بها؟ لقد كان شديد الحملة على خصومه حقا، مبينا في تزييفه لأباطيلهم، ولكنه سلك في ذلك سبيل القوة الممزوجة بالنبل. والرجل النبيل إذا صرع خصمه لم يتركه على الأرض متعثرا في أذيال هزيمته، بل يسرع إلى الأخذ بيده قبل أن يستولى عليه شعور الخزى والمعرة في سقطته. وهكذا فعل القرآن بأعدائه، فهو يلفت نظرهم إلى ضلالهم، ويضع أيديهم على أخطائهم، ثم يأبى- أدبا وتكرما- أن يقول- في شماتة- للضال: إنك ضال، أو للمخطئ إنك مخطئ والآخر مصيب: (قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين * قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون) . على أن هذا كله لم يرق في نظر قوم يأبون الاعتراف بطرق الإقناع والاقتناع، ويجمعون إلى جريمة الكفر، جريمة الصد عن سبيل الله، فكانت خاتمة ثلاثة عشر عاما في الدعوة إلى الله أن تشاور رؤساء قريش في نفى الداعى أو حبسه أو قتله! ثم يستقر رأيهم على أن يقتلوه بطريقة يهدر فيها دمه ويضيع بها ثأره. * * * * هجرة بدين لا فرار من موت: وأصبح أهل مكة وهم يرقبون صوت الناعى- أخزاه الله- ليبشر دولة اللؤم والغدر والطغيان، أن عدوها الألد قد لقى حتفه قبل أن يوردها حتفها، وهيهات، لقد خرج ص _078