الصفحة 79 من 212

لم تروها و جعل كلمة الذين كفروا السفلى و كلمة الله هي العليا و الله عزيز حكيم). ص _079

* لماذا أرخوا بالهجرة؟ إن المسلمين اعتبروا الهجرة بداية تاريخهم في الحياة، ولم يعدوا ميلاد نبيهم ولا مبعثه مبدأ لذلك التاريخ الحافل البعيد. ولم يكن هذا التصرف إلا فقها منهم في دينهم، وبصرا نافذا في معرفة حقيقته وتقديس روحه، فالهجرة- سفرا من مكة إلى المدينة- حادث لا يذكر ولا يقدر. فكم في الدنيا من أسفار أطول أمدا وأبعد شقة من هذا السفر القاصد. إنما روعة الهجرة أنها عقيدة وتضحية وفداء وكفاح، وإصرار غريب على مغاضبة الدنيا الثائرة الحاقدة! والتذرع بالوسائل التى في مقدور البشر مغالبتها، فإما موت كريم وإما نصر كريم. هذه الحفنة من المؤمنين الذين خط الشيب رؤوس قادتهم، والذين عانوا آلام الغربة الروحية، والقلة المادية سنين عددا فما وهنوا ولا استكانوا، بل خلفوا في اللحظة الأخيرة دورهم وأموالهم ونزحوا عنها. هؤلاء المؤمنون الأبطال، هم الذين أعطوا الهجرة بأعمالهم الخالدة روح الخلود، وعلموا الحياة كيف ترجح المبادئ بكل ما توزن به من مآرب أو متاعب، وكيف تتخطى كل ما يعوقها من صعاب. (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم) . ولو أدرك المسلمون من التاريخ بالهجرة هذا المعنى السامى، ما اضطربت أحوالهم هذا الاضطراب المؤسف، فلا هم الذين حرصوا على الحياة لدينهم في أية بقعة من بقاع الأرض، ولا هم الذين ماتوا دون أن ينال أعداؤهم منهم ما نالوا: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا) . ص _080

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت