الصفحة 82 من 212

-فإنى قد أذن لى في الخروج! - الصحبة إذن بأبى أنت وأمى؟ - نعم يا أبا بكر! - فخذ إحدى راحلتى هاتين؟ - بالثمن إذن! ونهضت عائشة وأسماء تهيئان الجهاز وتصنعان الزاد وتضعانه في جرابه، ومزقت أسماء قطعة من نطاقها، وأوثقت به فم الجراب حتى يحفظ ما فيه، وانطلق أكرم صاحبين إلى جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال! كانت قريش خلالها تذرع السبل والمنافذ، وتبث العيون والأرصاد، وتكاد توصد الفجاج على الذاهب والآيب فلا يتحرك أحد إلا بقدر، ولكن هيهات! وكان عبد الله بن أبى بكر غلاما شابا ذا ثقافة ولقانة، يبيت عند الغار، ثم يدلج بسحر تاركا المهاجرين العظيمين، فيصبح مع قريش كأنه مقيم بينهم، فكانت أخبار المطاردين واتجاهاتهم تصل إلى أهل الغار كل مساء، يعيها الشاب الذكى، حتى إذا جن الليل، واختلط الظلام أخذ طريقه خفية إلى الغار فأفضى بها. وفى صبيحة اليوم الموعود كانت الراحلتان مناختين استعدادا للسفرة البعيدة، يقودهما دليل ماهر خبير بدروب الصحراء ومتاهاتها ومشابهها. هذا الدليل وإن كان رجلا كافرا، لما يزل على دين قريش، لكنه استؤمن على سر فكان ثقة، وعلى وعد فكان وفيا وعلى عمل عظيم فكان عند الظن به!. * * * * إن الله معنا: قال أبو بكر: أسرينا ليلتنا حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق فلا يمر فيه أحد، وظللنا نمشى حتى لاحت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة وقصدت ناحية من الظل، فسويت مكانا ينام فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول الله، وأنا أرقب ما حولنا! وإذا راع مقبل على الصخرة في عنيزات له يريد منها الذى أردنا، فقلت له: لمن أنت يا غلام؟. فقال: لرجل من هنالك. ص _083

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت