الصفحة 83 من 212

-أفى عنزك لبن؟ - نعم. - أفتحلب لى؟ - نعم! فأخذ شاة فقلت: أنفض الضرع من التراب والقذى، ففعل وحلب في قعب معه كثبة من لبن، فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم، وهو نائم، فكرهت أن أوقظه، فوقفت حتى استيقظ فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله وقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قال: ألم يأن الرحيل؟ فارتحلنا بعد ما زالت الشمس واستتلينا نطوى مراحل الطريق، فإذا نحن ندخل في أرض غليظة صلبة ما إن استوينا عليها حتى أحسست بخطر داهم يدنو رويدا رويدا من ورائنا، فقلت: يا رسول الله: أتينا وسيحاط بنا، أترى هذا الفارس الذى يتبعنا؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تحزن إن الله معنا. ثم دعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فارتطمت يدا فرسه إلى بطنها وخر راكبها على وجهه بعد أن ساخت في الأرض قوائمها، ولكنه لم يلبث أن قام بين دهشة الحادث الذى أصابه وسورة الطمع الذى خرج به، فزجر فرسه يريد حملها على المضى فعجزت تماما ، فترجل ونادى مستأمنا: لقد علمت أنه نالنى منكما شىء فاتركانى وادعيا لى. والله لكما أن أرد عنكما الطلب! فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم، فقفل راجعا لا يلقى أحدا إلا قال له: حسبك لقد كفيتك ماهنا. وسار أبو بكر وقد أثلج فؤاده أن رأى كيف صار الطالب مطلوبا! وتذكر عندما كان في الغار، فأصاخ إلى خفق أقدام المشركين وهم ينقبون ويفتشون، وتسكين الرسول صلى الله عليه وسلم لروعه عند ذاك. * * * * في الطريق: كانت النجوم تطلع فترسل نورها الباهت على الأديم الأعفر المنبسط، وموجات النسيم البارد تخفق من كل مهب فلا يردها بناء قائم. وثم ساريان يضربان في الفلاة ترمق أعينهما نجوم السماء وترد صدورهما خفق الرياح.. على أحدهما جلال النبوة، وعلى الآخر جمال اليقين. فإذا انقشع الليل رأت الشمس الرجلين كليهما ميممين ص _084

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت