فهرس الكتاب
الهجرة فكرة لا رحلة قد يكون الشىء الواحد عملا شاقا مضنيا. أو لعبا مريحا مسليا، وهو لا يتغير في مظهره وإن تغيرت بواعثه وملابساته!! فصيد السمك رياضة مرحة يلهو بها بعض المترفين الناعمين، وهو كذلك حرفة يرتزق من مكابدتها ألوف العمال الكادحين! والرحلة من قطر إلى قطر قد تكون سفرا قريبا أو بعيدا للاسترواح والتنعم، وإنفاق الفائض المخزون من الوقت والمال، وقد تكون كذلك مشيا في مناكب الأرض لتحصيل علم، أو تقريب رزق، أو فرارا من شر محظور إلى خير منظور. والهجرة التى يحتفل المسلمون بها، ويجددون ذكرياتها، ويكبرون أصحابها، هى في مظهرها سفر من مكة إلى المدينة يقطع فيه الإنسان نحو أربعمائة ميل في طريق وعرة موحشة. ولكن الهجرة- كما عرفنا- لم تكرم لأنها سفر- فما أكثر المسافرين قديما وحديثا بين مكة والمدينة. وما أكثر الذين يقطعون مسافات أبعد في آماد أطول وأشق. بل لقد حدث على عهد النبى صلى الله عليه وسلم نفسه أن رجلا كانت له في المدينة عشيقة يهواها، فلما رأى طريق الأبطال يزدحم بالفدائيين من حملة العقائد وهم يتركون البلد الذى اضطهد دينهم فيه، يبغون في مهجرهم أمانا لإيمانهم ومتنفسا ليقينهم، مشى العاشق الولهان بينهم يبغى المدينة كذلك معهم! وشتان بين هذا وذاك، هذه خطوات القلب المؤمن تتحرك في الحياة فتتحرك في ركابها الثقة الغالية والتضحية النبيلة. أما تلك فخطوات الشهوة الصغيرة تتحرك بصاحبها فلا تفرق بينها وبين خطوات الدابة التى حملته. ورب قاعد في بلده أشرف نفسا من هذا المهاجر التافه. ص _086