فهرس الكتاب
وقد كان تعليق النبوة على هذا السفر:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله! فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". ولما كثر أدعياء الإسلام والإيمان والهجرة، واختلطت المظاهر التى يصطنعونها ليعدوا مسلمين مؤمنين مهاجرين، مع أن حقيقتهم دون ما يزعمون، وضع النبى صلى الله عليه وسلم العلامات . المميزة الحاسمة لهذه الإدعاءات فقال:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". وهكذا ربط حقائق الإيمان بأصول النفس، وأهدر ما عدا ذلك من عناوين. فإلى المحتفلين بالهجرة من رجال الأحزاب ، وكذبة الكتاب، وجماهير العامة، نوجه هذه الآداب. * * * * أشد الناس بلاء: قيمة الزمن في عمر أى نبى ، غير قيمته في عمرأى فرد من البشر. نحن تضيع علينا أكثر أيامنا سدى ، بين جد قليل، ولهو كثير، وسرور واقع، أو سرور مرجو. أما الأنبياء فأيامهم يتقسمها الإجهاد، وتزحمها المتاعب، ولا تبقى منها الأعباء المترادفة متسعا لحظوظ النفس في هذه الدنيا. ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة العظمى، هو بلا ريب شيخ الأنبياء في هذا المعنى. جعل الله حياته قبل البعثة إعدادا للبعثة العامة التى تنتظره. وكان من مستلزمات هذا الإعداد، أن يعيش فريدا يتيما قليل المال، غريبا بنفسه وفكره عن البيئة الصاخبة التى نبت فيها، تاجرا يكدح ليكون رزقه من عمل يده، قبل أن يكون رزقه تحت ظل رمحه. فلما أرسل إليه وصدع بأمر الله، واجه دسائس الضمير الوثنى المشرك الذى لم يبال أن يحارب الرسول بكل سلاح، ثم دسائس الضمير اليهودى ، الذى لم يبال في سبيل النكاية بالدين الجديد، أن يزعم، بل أن يحكم، بأن وثنية قريش أفضل من توحيد محمد صلى الله عليه وسلم! ويزيد بذلك في تألب عباد الأصنام على أتباع القرآن