الصفحة 87 من 212

الذى طالما مجد موسى وكتاب موسى. ص _087

ثم يمكث الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين عامآ يستمع إلى صوت الوحى، وما ظنك بالجهد الذى يناله من الوحى؟ لقد كان يأتيه في اليوم البارد فيتركه وجبينه يتصبب عرقا. وكان أحيانا يطن في أذنيه كصلصلة الجرس فيتوتر منه جسمه وتثقل أطرافه. وهذا الوحى هو أساس عمله ودعوته. ثم هذه الغزوات العسكرية بعد الغزوات العقلية الواسعة التى سبقتها. حتى إذا استتب الأمر وبدأت الجهود المضنية تؤتى ثمرها يتنزل الروح الأمين ليخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن رسالته على ظهر الأرض قد تمت، وأن الملأ الأعلى ينتظرون مقدمه، ويلقى عليه قول الله عز وجل: (إذا جاء نصر الله والفتح , ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا, فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا !(1) . كان لى صديق ذكى قضى صدر شبابه مدارسة للعلم وتحصيلا وجاز امتحاناته الكثيرة عقبة من بعد عقبة، فلما انتهى بنجاح من أعباء الدراسات والامتحانات، اختطفه الموت دون أن يرى ثمرة كده، ذاك الصديق الحبيب، هو مثل على ضالته لصاحب الرسالة العظمى صلى الله عليه وسلم. فما أن رأى بواكير نجاحه في جهاده الطويل، حتى حال الموت بينه وبينها، كأنما يريد القدر أن تكون حياته للغرس والتعب فقط، ثم يولى تاركا للناس الخير والقطاف. * * * * في الطريق إلى يثرب: ترك النبى مكة إلى المدينة وعمره ثلاث وخمسون سنة، ولا ريب أن حالته النفسية كانت تموج بعواطف بعيدة الغور، وذكريات عزيزة جياشة، فيها من الحب بقدر ما فيها من الأسى. هذه البلدة نشأ فيها طفلا محفوفا بعناية الله، ثم شابا مطهرا مرقوما بالتجلة والوقار من الرجال والنساء، ثم رجلا لا ترقى إلى سيرته ريبة ولا تعلق بخلقه ظنة ، ثم نبيا يحلم على الجهال، ويدفع السيئة بالتى هى أحسن. وها هو ذا بعد أن خط الشيب رأسه، يخرج من موطنه، يتنكر له الأقرباء والغرباء، وتبث في طريقه الأرصاد، وتوضع المكافآت لمن يسفك دمه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت