الصفحة 89 من 212

تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد لنفسى حياة مثل أن أتقدما وذلك المعنى الرائع هو الذى ملأ نفوس المؤمنين قبل الهجرة، فلما دخلوا مع العالم كله فى"معركة المصحف"بدأت الخسائر تنزل بهم متلاحقة، وظلوا مروعين في أنفسهم وأهليهم بضعة عشر عاما، وكانت دورهم وأموالهم بمكة آخر ما نزلوا عنه في سماحة ورضا.. دون أن يفرطوا في ذرة من إيمانهم، أو يقبلوا الدنية في دينهم، أو يميلوا قليلا مع تيار الكفر المناوئ لهم، حتى لقد فهم المشركون أن ارتداد الشمس في مدارها أقرب إلى الوقوع من ارتداد مسلم عن دينه. لقد انتصرت العقيدة في نفوس هذه الفئة المكافحة انتصارا حاسما، وفداها أهلها بكل غال وثمين، فلم يبق إلا أن تأخذ جزاءها الحق، وأن ترفرف أعلامها بين الناس أجمعين، وأن تنحنى لها الهامات إجلالا وإكبارا. ولو كانت هامات الخصوم والمكابرين. إن هذه الحقيقة- انتصار العقائد في نفوس أصحابها- تكملها حقيقة أخرى، وهى أن أهل الخير، إن فاتهم تأييد أهل الأرض بعد ما يبذلون كل ما لديهم من طاقة، فلن تخذلهم في كفاحهم المقدس قوى السماء! وذلك سر التحدى في قول الله تعالى للناس: (إلا تنصروه فقد نصره الله) . أجل. فما كان الله ليذر المخلصين من عباده دون أن يشرفهم بالنصر الموعود. بيد أن للقدر الأعلى أسلوبا في سوق النصر يعلو على مستوى العقول، فما تقول في أمر ظاهره هزيمة وفرار، وباطنه تأييد وانتصار؟ لقد كانت الهجرة خاتمة سيئة لجهاد طويل في مكة هكذا بدا للسطحيين من الناس ولكن القدر العزيز جعل من هذه النهاية المحزنة نقطة التحول في تاريخ الدعوة الإسلامية كلها، وبداية الفوز المكين، والغلب الساحق.. ذلك أسلوب القدر الحكيم! لا يزال يتكرر مع الزمن! شر في باطنه خير، وقتل في أعقابه حياة، وتراجع يتبعه التقدم والانطلاق. ص _090

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت