بسم الله الرحمن الرحيم
هل هو:
دخول الشهر أم رؤية الهلال
للمستشار الشيخ فيصل مولوي
تمهيد: الحاجة إلى دراسة هذه المسألة:
فرض الله تعالى صيام شهر رمضان على المسلمين في السنة الثانية للهجرة. وكان العرب قبل الإسلام يتعاملون بالتقويم القمري، وقد اعتمدوا الشهر الهلالي في مواقيتهم، وحين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرّ هذا التقويم، ورتَّب عليه جملة من الأمور الشرعيّة، وأهمّها معرفة شهر رمضان والعيدين، وتحديد يوم عرفة. ولم يكن علم الحساب على قدر مهمّ من المعرفة، بل كان ملتبسًا مع التنجيم، وكان المنجّم أحيانًا يحسب سير النجوم -ومنها القمر- بشكل بدائي، وأحيانًا يتحدّث عن تأثير النجوم على الأرض والإنسان بما يعتبر من أنواع الشرك. ولأنّ رمضان شهر أداء فريضة الصيام، كان من واجب المسلمين التأكد من بدايته ومن نهايته، حتّى لا يفطروا في أحد أيامه، أو لا يصوموا يومًا من شهر آخر. ولم تكن أمامهم وسيلة لمعرفة بداية الشهر ونهايته إلاّ رؤية الهلال، ولذلك فقد أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإعتمادها فقال: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فاكملوا عدّة شعبان ثلاثين) [1] ، وقال: (لا تصوموا حتّى تروا الهلال، ولا تفطروا حتّى تروه، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له) [2] . وقد إتفق الجمهور من العلماء على إعتبار الرؤية سببًا للصيام والإفطار، وإن تعذّرت كان إكمال العدة لشعبان أو رمضان.
ثمّ انتشر المسلمون في كلّ بلاد العالم، واتسع الإختلاف حول الرؤية، بحيث أصبحوا يختلفون حول بداية رمضان ونهايته، يومًا ويومين وأحيانًا ثلاثة أيام. هذا في الوقت الذي تطورت فيه العلوم المعاصرة -ومنها علم الفلك والحساب- إلى حدّ بعيد جدًا، مكّن الناس من الهبوط على سطح القمر، ومن حساب حركة القمر بالدقائق والثواني، بحيث يُعرف يقينًا زمن ولادته، مع هامش خطأ لا يتجاوز الجزء من الثانية، وأصبح إختلاف المسلمين في تحديد بداية رمضان ونهايته موضوع استغراب العالم، بل صار كثير من المسلمين يتساءلون: لماذا لا يعتمد الحساب الفلكي القطعي لحسم الخلاف؟ فيأتي الجواب يكرر ما قاله علماؤنا في إنكار العمل بالحساب لإثبات دخول رمضان، وعدم جواز الإعتماد إلاّ على الرؤية. وهذا ما جعل المسلم العادي يعجز عن التوفيق بين القول: إنّ الإسلام يشجّع العلم ويحثّ عليه ويأخذ به، وبين القول: انّه لا يجوز الإعتماد على الحساب في هذه المسألة. ولم يجد بعض العلماء جوابًا على ذلك إلاّ إستحداث بدعة التمييز بين (الشهر الفلكي والشهر الشرعي) ، وكأنّها محاولة لتأكيد رفض الشريعة الأخذ بنتائج العلوم اليقينية، ومحاولة تبرير ذلك أو تأصيله، وهو أمر خطير لا يصحّ قبوله بحال، لأنّه يؤكّد ما يتوهمه البعض من وجود التعارض بين الإسلام والعلم.
ومما زاد من أهميّة هذه المسألة وجود كثير من الأقليّات الإسلاميّة تعيش في بلاد غير إسلاميّة (ويقدّر عددها في هذه الأيام بمئات الملايين) . وتريد الحكومات أو المؤسسات أوالشركات أن تعرف مواعيد الأعياد حتّى تسمح للمسلمين بالتعطيل عن العمل مراعاة لهم، فلا يستطيع المسلمون تحديد موعد العيد مسبقًا، مما يمنعهم من الإستفادة من العطلة المناسبة، ويزيد إستغراب الآخرين وتساؤلهم عن سبب تشّبث المسلمين بالرؤية بعد أن أصبح الحساب دقيقًا ومعروفًا لدى جميع الدوائر العلمية.
لقد حاول قليل من العلماء في الماضي التحدّث عن هذه المسألة، فتعرّضوا لحملة قاسية من الجمهور، ثمّ حاول بعض العلماء المعاصرين مرّة أخرى فتعرّضوا لمثل هذه الحملة، واضطر بعضهم للتراجع فتحدّثوا عن (الأخذ بالحساب بالنفي لا بالإثبات) ، بمعنى أنّه لا يجوز إثبات دخول رمضان إلاّ برؤية الهلال، لكنّ الرؤية مشروطة بأن لا تعارض الحساب. كما تحدّث كثير من علماء الفلك المسلمين المعاصرين عن علم الحساب في مسألة إثبات الهلال، لكنّهم ربطوه (بإمكان رؤية القمر) التي قال بها جمهور الفقهاء السابقين، وهي مسألة لا تحلّ مشكلة أصلًا، لأنّ إمكان الرؤية يختلف بشكل واسع جدًا، ولأسباب علميّة كثيرة يعرفها أهل هذا العلم. والسبب الذي دفع هؤلاء إلى تبّني الحساب مع إمكانيّة رؤية القمر، هو إتفاق جمهور العلماء قديمًا وحديثًا أنّ السبب الشرعي لصيام رمضان عندهم هو رؤية الهلال.
(1) - متفق عليه.
(2) - متفق عليه.