لقد أردت بهذه الدراسة مناقشة هذه المسألة في ضوء الضوابط والقواعد الأصوليّة، مع علمي بأنّها ستثير موجة كبيرة من الإستغراب والإستنكار، وقد مضى عليّ سنوات طويلة وأنا أعمل الفكر في هذه المسألة، وأتردد في إعلان هذه الأفكار، لكنّي أخيرًا عزمت على ذلك إلتزامًا بواجب (عدم الكتمان) الذي أعتقد أنّه يلزم أمثالنا مهما قلت درجة العلم عندهم، وما أردت بهذا إلاّ إعادة طرح الموضوع للبحث والمناقشة، لكن هذه المرّة من زاوية مختلفة لم أطّلع على أي بحث سابق فيها، وهي تمحيص السبب الشرعي لوجوب صيام رمضان؟ هل هو دخول الشهر، أم رؤية الهلال؟
الفصل الأول: المقدّمات
المقدمّة الأولى: هل هناك إجماع حول الحكم الشرعي في هذه المسألة؟
يذكر كثير من الفقهاء إجماع العلماء أو إتفاقهم على أنّ الحساب لا يجوز إعتماده في إثبات الهلال، وانّ الرؤية وحدها هي الطريق الشرعي لإثبات دخول رمضان، فإن تعذّرت فإكمال العدّة.
-ذكر الصنعاني [1] (قال الباجي في الرد على من قال: إنّه يجوز للحاسب والمنّجم وغيرهما الصوم والإفطار إعتمادًا على النجوم، انّ إجماع السلف حجّة عليهم) .
-ذكر إبن رشد [2] : (إنّ العلماء أجمعوا على أنّ الشهر العربي يكون تسعًا وعشرين، ويكون ثلاثين، وعلى أن الإعتبار في تحديد شهر رمضان إنّما هو الرؤية ... واختلفوا في الحكم إذا غمّ الشهر) . ويفهم من ذلك أن العمل بالحساب في زمن الصحو يخالف الإجماع، وإنّ إختلاف الفقهاء حول جواز إعتماد الحساب محصور في حالة الغيم فقط.
-وهذا ما صرَّح به شيخ الإسلام إبن تيمية [3] : (فإنّا نعلم بالإضطرار في دين الإسلام، انّ العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدّة أو الإيلاء، أو غير ذلك بخبر الحاسب، انّه يرى أو لا يرى، لا يجوز ... ، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلًا، ولا خلاف حديث، إلاّ انّ بعض المتأخرين من المتفقّهة الحادثين بعد المائة الثالثة، زعموا أنّه إذا غمّ الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، وهذا القول وان كان مقيدًا بالإغمام ومختصًا بالحاسب، فهو شاذ، مسبوق بالإجماع على خلافه، فأمّا إتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به، فما قاله مسلم) .
-ذكر القرافي [4] : (قال سند من أصحابنا: فلو كان الإمام يرى الحساب، فأثبت الهلال به، لم يتبع لإجماع السلف على خلافه ... ) .
في مقابل ذلك يذكر غيرهم الخلاف حول هذه المسألة، رغم تأكيدهم أن الجمهور لا يجيز إعتماد الحساب في إثبات هلال رمضان سواء في الصحو أو في الغيم. وأكثر فقهاء الحديث يذكرون هذا الخلاف عند تفسير قوله صلى الله عليه وسلم (فاقدروا له) ، من الحديث الصحيح المشهور (لا تصوموا حتّى تروا الهلال، ولا تفطروا حتّى تروه، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له) [5] ، (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غمّ عليكم فاقدروا له) [6] ويذكرون أقوال مُطرِّف بن عبد الله الشِّخير من التابعين، وأبي العباس بن سريج من الشافعية، وابن قتيبة، أمّا فقهاء المذاهب فيبحثون مسألة (جواز إعتماد الحساب في إثبات الأهلّة) بشكل عام وليس فقط في حالة الغيم.
-يذكر إبن عابدين [7] (انّ للمتأخرين ثلاثة أقوال نقلها الإمام الزاهدي في القنية:
الأول: ما قاله القاضي عبد الجبار وصاحب العلوم أنّه لا بأس بالإعتماد على قول المنجّمين،
الثاني: ما نقله عن إبن مقاتل، أنّه كان يسألهم ويعتمد على قولهم إذا إتفق عليه جماعة منهم،
الثالث: ما نقله عن شرح الإمام السرخسي أنّ الرجوع إلى قولهم عند الإشتباه بعيد، لحديث (من أتى كاهنًا) ، ونقل أيضًا قول شمس الأئمة الحلواني ومجد الأئمة الترجاني أنّه لا يؤخذ بقول المنجمين، وقول الدر المختار: (لا عبرة بقول الموقتين) ، وقول البحر: (من يرجع إلى قولهم فقد خالف الشرع) وفي معراج الدراية (لا يعتبر قول المنجمين بالإجماع) ، وقد ذكر إبن وهبان في منظومته الأقوال الثلاثة فقال: (وقول أولي التوقيت ليس بموجب، وقيل نعم، والبعض ان كان يكثر) .
-ذكر النووي [8] خمسة أوجه في مسألة إعتماد الحساب في الصيام، أوّلها وأصحّها: لا يلزم الحاسب ولا المنجم ولا غيرهما بذلك، لكن يجوز لهما (الصيام) دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما، الثاني: يجوز لهما ويجزئهما، الثالث: يجوز للحاسب ولا يجوز للمنجمّ، والرابع: يجوز لهما ويجوز لغيرهما تقليدهما، والخامس: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنّجم.
(1) - سبل السلام (1/ 125) .
(2) - بداية المجتهد (1/ 283) .
(3) - الفتاوى لإبن تيمية (25/ 132) .
(4) - الفروق للقرافي- الفرق الثاني والمائة (2/ 298) .
(5) - متفق عليه.
(6) - رواه النسائي وابن ماجة.
(7) - رسائل ابن عابدين (1/ 246) .
(8) - المجموع النووي (6/ 309) .