-ومع أن الإمام السبكي الشافعي، مال إلى عدم وجوب الصيام وعدم جوازه بالإعتماد على الحساب [1] وانّه إذا دلّ الحساب على إمكان رؤيته ولم ير، فإنَّ الشارع رتب الصيام على الرؤية وليس على إمكانها. رغم ذلك فهو يرى أنّه إذا دلّ الحساب على عدم إمكانية الرؤية، وشهد شاهدان أنّهما رأَيا الهلال، فإنّه يجب عدم قبول شهادتهما، لأنّ الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان.
-ذكر القرافي الخلاف في المسألة على قولين عند المالكية والشافعية، وانّ القول المشهور في المذهبين، عدم إعتماد الحساب، وإذا دلّ حساب تسيير الكواكب على خروج الهلال من الشعاع من جهة علم الهيئة لا يجب الصيام، بل رؤية الهلال خارجًا من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي. [2]
من هذه النقول- وهناك كثير غيرها- يتبيّن أنّه ليس في المسألة إجماع بالمعنى الأصولي الذي يصبح معه الحكم قطعيًّا لا تصحّ مخالفته، والإجماع عند جمهور الأصوليين لا ينعقد بمخالفة الواحد، فكيف إذا خالف فيه علماء كبار ابتداءً من عصر السلف الأول إلى عصرنا الحاضر؟ إنّ هذا الموضوع قابل إذًا للبحث والمناقشة والإجتهاد، خاصة بعد تطور علم الفلك في عصرنا إلى القدر العظيم من الدقة الذي نشاهده ونعيشه كل يوم.
المقدمّة الثانية: موقف الإسلام من العلم والحساب.
من المعروف انّ الإسلام يرفع كثيرًا من شأن العلم والعلماء، قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات} [3] ، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم (طلب العلم فريضة على كلّ مسلم) [4] ، فهو كالعبادة، يتقرّب به المسلم إلى ربه، وقد إتفق أكثر العلماء أنَّ الحد الأدنى من العلوم الشرعيّة الضروريّة، فرض عين على كلّ مسلم، أمّا العلوم الأخرى التي بها قوام الدنيا كالطب والحساب والفلك وغيرها، فهي فرض كفاية. وقد شنع الإمام الغزالي [5] على أهل بلدة ليس فيها طبيب، ثم يتهاتر أهلها على دراسة علوم الفقه، والبلد مشحون بالفقهاء. وقد استغرب الشيخ نديم الجسر [6] قول من يقول (أنّ العلم الذي حثّ على طلبه الإسلام هو في جوهره العلوم الدينية والشرعية وما يتعلّق بها وليس الفيزياء والكيمياء، وهو يرى أن الحث عام يشمل علم الدين الذي هو أعظم العلوم وأنفعها للمجتمع، ويشمل علم الطب، وكل علم ينفع الناس والمجتمع، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى: {ألم تر أنّ الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها، وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنّما يخشى الله من عباده العلماء} [7] فهل العلماء هنا علماء الشريعة والفقه، أم هم علماء الطبيعة العالمون بأسرار النواميس في الحياة والنبات والحيوان والمطر وطبقات الأرض؟) ويقول السيد رشيد رضا: (المراد بالعلماء هنا الذين يعلمون أسرار الكون، وأسباب اختلاف أجناسه وأنواعه وألوانه وآيات الله وحكمه فيها) . [8]
وقد أطلق القرآن الكريم لفظ العلم على علوم الدين والدنيا:
-قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم ... } [9]
-وقال: {أئتوني بكتاب من قبل هذا أو اثارة من علم إن كنتم صادقين} [10]
-وقال: {يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا ... } [11]
-وقال: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} [12]
(1) - فتاوى السبكي (1/ 208) .
(2) - الفروق للقرافي (2/ 298) .
(3) - سورة المجادلة:11
(4) - أخرجه ابن ماجه (1/ 224) ، وحسّنه السيوطي لأنّه جمع له خمسين طريقًا.
(5) - إحياء علوم الدين للغزالي- كتاب العلم.
(6) - ركائز التفكير الإسلامي- الشيخ نديم الجسر-منشورات جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية-طرابلس-لبنان.
(7) - سورة فاطر: 27
(8) - تفسير السيد محمد رشيد رضا (11/ 248) .
(9) - سورة الإسراء:36
(10) - سورة الأحقاف:4
(11) - سورة الروم:7
(12) - سورة الحج:8