الصفحة 4 من 15

وقد أمر الله تعالى الإنسان ان يبحث في أرجاء الكون حوله، ولفت نظره إلى كثير من الآيات، وطلب منه ان يفكّر فيها ليكتشف سننها {قل انظروا ماذا في السموات والأرض ... } [1] {ويتفكرون في خلق السموات والأرض ... } [2] وخصّ الشمس والقمر بالمزيد من التنبيه إليهما بإعتبارهما من أعظم آيات الله المسخرة لخدمة الإنسان {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ... } [3] {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ... } [4] . وكان من عجيب الإشارات القرآنية العلميّة ما ذكرته الآيات الكريمة من إنضباط في حركة الشمس والقمر بحساب دقيق {فالق الإصباح، وجعل الليل سكنًا، والشمس والقمر حسبانًا ... } [5] {الشمس والقمر بحسبان ... } [6] {هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا، وقدّره منازل، لتعلموا عدد السنين والحساب ... } [7] {وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل، وجعلنا آية النهار مبصرة، لتبتغوا فضلًا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب ... } [8] والحسبان: كلمة تدل على المبالغة كجوعان وشبعان، وهي تعني هنا الحساب الدقيق.

والآيتان الأخيرتان تشيران إلى أنّ الله تعالى قدّر ان يتحرّك القمر في منازل ليدفعنا إلى تعلّم حساب هذه المنازل، وجعل الليل والنهار آيتين تختصّ كل منهما بمزايا في خدمة الإنسان حتّى يتعلّم منهما حساب الليل والنهار، وعد الأشهر والسنين. وهذا يؤكّد أهميّة علوم الفلك وحساب حركة النجوم لتحقيق أكبر قدر من الإستفادة منها طالما ان الله تعالى سخرها لنا.

ورغم ان العلماء يعتبرون الأهلّة هي منازل القمر، وان الله تعالى جعلها وسيلة لتحديد المواقيت {يسألونك عن الأهلّة، قل هي مواقيت للناس والحج ... } [9] ، ويعتبرون دراسة حركة القمر وحسابها من فروض الكفاية، لكنّ أكثرهم يرفض أن يستفيد من هذه العلوم في تحديد مواقيت الصيام والحج، ويصرّ على إعتبار الرؤية البصريّة هي الوسيلة الشرعيّة الوحيدة لذلك، ولو أوقعته بالخطأ، مع أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع ... ) [10] ، وقال: (اللهم انفعني بما علّمتني، وعلمني ما ينفعني ... ) [11] ، وقال: (لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع ... ) وعدَّ منها: (عن علمه فيما فعل) [12] ، وقد قال الله تعالى: {وإنّه لذو علم لما علمّناه ... } [13] ، قال قتادة: يعني لذو علم بما علّمناه. وقد كتب الشاطبي فصلًا خاصًا بعنوان: (إنّما فضل العلم لكونه وسيلة إلى العمل) [14] ، وقال فيه: (فالحاصل ان كل علم شرعي ليس مطلوبًا إلاّ من جهة ما يتوسّل به إليه، وهو العمل. فكيف يصح للمسلم أن يطلب علم الحساب، والفقهاء يعتبرونه فرض كفاية، ثمّ لا ينتفع به ويعمل بخلافه؟

المقدمّة الثالثة: الحكم الشرعي التكليفي والوضعي.

أ- يعرّف الأصوليون الحكم الشرعي بأنّه (خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلّفين بالإقتضاء أو التخيير أو الوضع) . و (خطاب الله تعالى) يُعرف من خلال القرآن الكريم أو السنّة المطهّرة أو ما دلّ عليه القرآن والسنّة. (المتعلّق بأفعال المكلّفين) أي الخطاب الذي يترتب عليه فعل من المسلم المكلّف. (بالإقتضاء) أي الطلب، سواء كان طلب فعل أو ترك، وسواء كان على سبيل الإلزام أو الترجيح.

(والتخيير) أي الإباحة، وهي التسوية بين فعل شيء وتركه، (والوضع) هو جعل أمر من الأمور سببًا لآخر، أو شرطًا له، أو مانعًا منه.

ب- بناءً على هذا التعريف، ينقسم الحكم الشرعي إلى قسمين:

-الحكم الشرعي التكليفي: وهو ما يقتضي طلب الفعل، أو الكف عنه، أو التخيير بين فعله وتركه، وهو يشمل الوجوب والإستحباب والإباحة والكراهة والتحريم، ومن أمثلة ذلك وجوب الصلاة، واستحباب الاغتسال يوم الجمعة، وإباحة بعض وسائل الترفيه، وكراهة السفر قبل صلاة الجمعة، وتحريم السرقة وغير ذلك مما هو معروف.

-الحكم الشرعي الوضعي: وهو ما يقتضي جعل شيء سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، وهو بالتالي ليس فيه أي طلب من المكلّف بفعل أو ترك، بل هو بيان من الشارع مثل: اعتبار زوال الشمس سببًا لوجوب الصلاة، أو اعتبار السرقة سببًا لوجوب الحدّ، أو اعتبار النكاح سببًا لحلّ المعاشرة، أو اعتبار الوضوء شرطًا لصحّة الصلاة، أو اعتبار قتل الوارث لمورثه مانعًا من الإرث.

ج- كلمة حول السبب:

(1) - سورة يونس:101.

(2) - سورة آل عمران:191.

(3) - سورة الأعراف:54.

(4) - سورة فصلت:37.

(5) - سورة الأنعام:96.

(6) - سورة الرحمن:5.

(7) - سورة يونس:5.

(8) - سورة الإسراء: 12.

(9) - سورة البقرة: 189.

(10) - رواه مسلم عن أبي هريرة.

(11) - رواه الترمذي، وقال حسن غريب والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.

(12) - أخرجه الترمذي، وقال حديث صحيح.

(13) - سورة يوسف: 68

(14) - الموافقات للشاطبي- الجزء الأول- المقدمة السابعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت