وقد أشار الله تعالى إلى إنضباط حركة القمر حول الأرض فقال: { ... والقمر قدرناه منازل حتّى عاد كالعرجون القديم} [1] {هو الذي جعل الشمس ضياءً، والقمر نورًا، وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} [2] . فالشهر القمري يبدأ بخروج القمر من المحاق، والمحاق يشير إلى الوقت الذي يكون فيه القمر بين الأرض والشمس على الخط نفسه، فلا يظهر منه شيء لأهل الأرض، حتّى إذا خرج من هذا الخط أمكن ظهوره لأهل الأرض، لأنّ جزء يسيرًا منه يتلّقى أشعة الشمس ويعكسها على الأرض، على شكل خط رفيع يسمّى الهلال، ثمّ يكبر هذا الجزء كلّما ابتعد عن خط المحاق، وينتقل كلّ يوم من منزلة إلى أخرى، حتّى إذا مضت سبعة أيام صار على شكل نصف دائرة، وفي اليوم الخامس عشر تتوسط الأرض تمامًا بين الشمس والقمر، فيظهر القمر على شكل دائرة كاملة هي (البدر) ، ثمّ تبدأ الدائرة بالتناقص تدريجيًّا حتّى يعود القمر هلالًا كما بدأ، ثمّ يدخل في المحاق من جديد، وينتهي بذلك الشهر القمري، ليبدأ شهر جديد عند خروج القمر من المحاق مرّة أخرى.
4 -هذه الحركة الدوريّة للقمر حول الأرض كانت معروفة عند المسلمين، وكانوا يتتبعونها بالحساب، لكنّ العلوم عندهم لم تكن قد وصلت إلى درجة كافية من الضبط، وكان الذين يشتغلون بهذا العلم قلّة نادرة، ولم تكن هناك وسائل إعلام تنقل نتائج حساباتهم للناس. ثمّ إنّ علماء الفلك هؤلاء اختلطوا بالمنجمين، وهناك فارق كبير بينهما. فالمنجّم هو الذي يزعم معرفة حظوظ الناس ومستقبلهم ومصيرهم بحسب مواقع النجوم عند ولادتهم، وهو الذي ينظر في النجوم ويحسب حركتها فيتوّهم من خلالها معرفة أحوال الناس والعالم، وهو يعتقد أنّ النجوم وحركتها توثّر في سلوك الناس وأعمالهم وحياتهم. فالتنجيم يستغلّ العلم لإدّعاء الغيب، وهو يناقض عقيدة التوحيد. أمّا الفلكي فهو يدرس قوانين حركة الأجرام السماوية ويجري القياسات والاختبارات والحسابات المتعلّقة بها، وهو علم واسع جدًا يستغرق الطلاب في الجامعات أكثر من عشرة أعوام في دراسته، لأنّه يشمل دراسة (القياس الفلكي- Astrometry) ( والميكانيك السماوي Celestial mechanics) ( والفيزياء الفلكية Astrophysics) ( وفيزياء الفضاء Space physics) ( والبصريات الفضائية Space Optics) ( وعلوم القمر Selenology) ( والأرصاد الجوية Meteorology) ( والاتصالات الفضائية Space communication) ومواضيع أخرى كثيرة، بينما المنجّم لا يحتاج إلا إلى شهور قليلة لإتقان مهنته القائمة على الشعوذة وعلى علم بدائي بحركة النجوم، مع الخوض في الغيب بما لم يأذن به الله. لذلك وردت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن التنجيم (من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد) [3] . (من صدّق كاهنًا أو عرّافًا أو منجّمًا، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلّم) [4] . وقد يكون هذا الإلتباس بين علم الحساب وبين التنجيم أحد أسباب رفض كثير من العلماء إعتماد الحساب في إثبات الهلال، خاصة وأنّ أكثر هؤلاء يستخدم عبارة التنجيم والمنّجم بدل عبارة الحساب والحاسب. وقدّ ردَّ الإمام السرخسي جواز إعتماد الحساب بحديث (من أتى كاهنًا أو منجّمًا، فقد كفر بما أنزل على محمد) ، وقال الحلواني (لا يؤخذ بقول المنجمّين) ، وقال الترجاني (لا إعتماد على قول المنجّمين) ، وقال الشيخ خليل (لا يثبت -أي الهلال- بقول المنجّم) ، ويقول إبن حجر (لا يجب الصوم بقول منجّم) [5] ، وقال ابن بزيزة: (نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنّها حدس وتخمين، ليس فيها قطع ولا ظن غالب، ومع أنّه لو ارتبط الأمر بها لضاق، إذ لا يعرفها إلاّ القليل) [6] . فكلّ هؤلاء رفضوا اعتماد الحساب لمعرفة دخول رمضان لإختلاطه عندهم مع التنجيم المنهي عنه.
5 -والشهر القمري المعروف عند الناس منذ القديم يكون 29يومًا أو30يومًا. وقدّ أكّد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذلك في الحديث الصحيح (أنا أمّة أميّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين) [7] ، ولم يفرض عليهم الصيام أيامًا محددة، بل أمرهم أن يعودوا إلى الشهر، فإن ثبت لهم أنّه تسع وعشرون يومًا إلتزموا به، وإن غمّ عليهم أكملوا العدة ثلاثين. مما يعني بوضوح أنّ المطلوب منهم الإلتزام بالشهر كما تكون حقيقته.
(1) - سورة يس: 39.
(2) - سورة يونس:5.
(3) - أخرجه أبو داوود من حديث ابن عبّاس وصححّه النووي في رياض الصالحين
(4) - أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة، وجميع اصحاب السنن، والحاكم في المستدرك (1/ 8) ، كما صححّه العراقي في فيض القدير (6/ 23/ المكتبة التجارية) .
(5) - جميع هذه الأقوال ذكرها ابن عابدين في رسائله (1/ 249) .
(6) - فتح الباري: (4/ 102) .
(7) - رواه البخاري عن ابن عمر.