6 -لكن الإشكال الذي وقع فيه المسلمون هو معرفة بداية الشهر ونهايته، ولماّلم يكن علم الحساب متقّدمًا بالشكل الكافي لمعرفة ذلك، فقد أرشدهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى الطريقة الوحيدة الممكنة والميسورة في عصره، وهي رؤية الهلال بعد ولادته، لأنّها هي التي تؤكّد لهم دخول الشهر، وعلَّل ذلك بأنّا (أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسب) أي لا توجد عندنا طريقة أخرى لمعرفة ولادة الهلال.
لقد كانت الرؤية البصريّة هي الوسيلة التي توصل إلى أكبر قدر من اليقين بدخول شهر رمضان، فأمرهم بها، ونهاهم عن الوسائل الأخرى فقال: (لا تصوموا حتّى تروه، ولا تفطروا حتّى تروه، فإن غمّ عليكم، فاقدروا له) [1] ، (صوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته ... ) [2] (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا) [3] . ومن هنا فهم كثير من العلماء أنّ (الرؤية هي سبب الصيام) ، فقوله صلى الله عليه وسلّم (صوموا لرؤيته) ، كقوله تعالى {أقم الصلاة لدلوك الشمس} فالدلوك هو سبب الصلاة، والرؤية هي سبب الصيام. والمنع من الصيام إذا لم يروا الهلال يعني منع استعمال أي وسيلة أخرى، وهو ما يؤكّد في نظرهم أنّ الرؤية هي السبب الشرعي.
7 -هذا الإشكال الذي وقع فيه المسلمون حول معرفة بداية شهر رمضان ونهايته، ينقلنا إلى دراسة الحكم الشرعي الوضعي المتعلّق برمضان، وهو معرفة السبب الشرعي للصيام، هل هو دخول الشهر أم رؤية الهلال؟
الفصل الثالث: الحكم الشرعي الوضعي
ما هو السبب الشرعي لوجوب الصيام؟
المبحث الأول: القائلون أنّ السبب هو رؤية الهلال:
1 -يرى جمهور الفقهاء والمذاهب أنّ السبب الشرعي لوجوب الصيام هو رؤية الهلال أو إكمال العدّة. بعضهم يصرّح بذلك، وأكثرهم يؤكّد أنّ الصيام في نظرهم لا يجب إلاّ بالرؤية:
-فعند الأحناف المعتمد (أنّ شرط وجوب الصوم والإفطار رؤية الهلال، وأنّه لا عبرة بقول المنجّمين ولو عدولًا، ومن رجع إلى قولهم فقد خالف الشرع) [4] . وهذا يفهم منه أنّ السبب في نظرهم هو الرؤية.
-والراجح عند المالكية أنّ (رؤية الهلال خارجًا من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي، فلا يثبت الحكم ... ) (ولو كان الإمام يرى الحساب فأثبت الهلال به، لم يتبع لإجماع السلف على خلافه) [5]
-والمشهور عند الشافعية أنّه (لا يجب صوم رمضان إلاّ بدخوله، ويعلم دخوله برؤية الهلال، فإن غمّ، وجب إستكمال شعبان ثلاثين) [6] ، وفي هذا الحصر نفي لإعتماد الحساب، وقد صرح كثير من الشافعيّة برفضه لأنّه حدس وتخمين، رغم إعتباره في أوقات الصلوات.
-والحنابلة لا يتعبرون الحساب الفلكي في إثبات رمضان ولو كثرت حسابته [7] .
2 -ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أنّ (الطريق إلى معرفة طلوع الهلال، هو الرؤية لا غيرها) ، وأنّ توقيت الشهر والسنة يكون بالهلال، (وأنّه ليس شيئ يقوم مقام الهلال البتة، لظهوره وظهور العدد المبني عليه، وتيسر ذلك وعمومه) وأنّ (المواقيت كلّها معلّقة بالهلال) وأنّه (ليس للمواقيت حد ظاهر عام للمعرفة إلاّ الهلال) ، وأنّ الله تعالى جعل (الأهلّة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع إبتداءً، أو سببًا في العبادة) . ولذلك يرى ابن تيمية أنّ (العمل في رؤية الهلال بخبر الحاسب لا يجوز) و (أنّ المسلمين أجمعوا على ذلك، ولم يخالف فيه إلاّ بعض المتأخرين من المتفقهة بعد المائة الثالثة، وقولهم مقيّد بحالة الإغمام، ومختص بالحاسب دون غيره، وهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه. فأمّا إتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم به فما قاله مسلم) [8] .
3 -يقول ابن حجر في شرحه لحديث (إنّا أمّة أميّة، لا نكتب ولا نحسب ... ) (المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولو لم يكونوا يعرفون من ذلك إلاّ النذر اليسير، فعلّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية، لدفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمرّ الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يُشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا. ويوضحه الحديث - فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين-ولم يقل فسألوا أهل الحساب) [9]
(1) - رواه مسلم.
(2) - متفق عليه.
(3) - رواه البخاري عن ابن عمر.
(4) - رسائل ابن عابدين (1/ 224) .
(5) - الفروق للقرافي (2/ 298) .
(6) - المجموع للنووي (6/ 27) .
(7) - كشاف القناع (2/ 272) .
(8) - الفتاوى لابن تيمية (25/ 126 حتى 209) .
(9) - الموسوعة الفقهية الكويتية (22/ 35) .