الصفحة 8 من 15

4 -يقول السبكي [1] في تعليقه على حديث (إنّا أمّة أميّة، لا نكتب ولا نحسب ... ) (وقد تأملّت هذا الحديث فوجدت معناه إلغاء ما يقوله أهل الهيئة والحساب، من أنّ الشهر عندهم عبارة عن مفارقة الهلال شعاع الشمس، فهو أول الشهر عندهم، ويبقى الشهر إلى أن يجتمع معها ويفارقها، فالشهر عندهم ما بين ذلك، وهذا باطل في الشرع قطعًا لا اعتبار فيه ... فالشهر في الشرع ما بين الهلالين، ويدرك ذلك إمّا برؤية الهلال، أو بإكمال العدّة ثلاثين) . ثم ذكر السبكي حالة (ما إذا دلّ الحساب على مفارقة الشعاع، ومضت عليه مدّة يمكن أن يرى فيها عند الغروب، فقد اختلف العلماء في جواز الصوم بذلك للحاسب ولغيره، فمنهم من قال بالجواز وهم علماء كبار، وحجّتهم أنّ المقصود وجود الهلال وإمكان رؤيته، لكن الصحيح عند السبكي عدم الجواز) . وهو يرى أنّ (ترتيب الحكم للشارع، وقد رتّبه على الرؤية) ، فالسبب عنده هو (نفس الرؤية أو إكمال العدّة) ، وليس مجرّد إمكان الرؤية.

5 -أمّا القرافي فهو يقول: (إنّ حساب الأهلّة والكسوفات والخسوفات قطعي، فإنّ الله تعالى أجرى عادته بأنّ حركات الأفلاك وإنتقالات الكواكب السبعة السيارة، على نظام واحد طول الدهر بتقدير العزيز العليم، قال الله تعالى: {والقمر قدرّناه منازل حتّى عاد كالعرجون القديم} [2] ، وقال تعالى: {الشمس والقمر بحسبان} [3] أي هما ذوا حساب، فلا ينخرم ذلك أبدًا، وكذلك الفصول الأربعة لا تنخرم، والعوائد إذا استمرّت أفادت القطع، وإذا حصل القطع بالحساب ينبغي أن يعتمد عليه كأوقات الصلاة، فإنّه لا غاية بعد حصول القطع) . ورغم هذا البيان الواضح الذي يؤدّي بالضرورة إلى اعتماد الحساب لمعرفة بداية الشهر ونهايته، إلاّ أنّ القرافي عاد إلى رأي الجمهور، وعلل ذلك بالفرق بين اعتماد الحساب لمعرفة مواقيت الصلاة، واعتماده في تحديد بداية الصيام، قال: (والفرق، وهو المطلوب هنا، وهو عدّة السلف والخلف، انّ الله تعالى نصب زوال الشمس سبب وجوب الظهر، وكذلك بقية الأوقات لقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [4] -أي لأجله-، فالآية دالة على إيقاع الصلاة في هذا الوقت، ومثله الأوقات الأخرى، والسنّة دالة على أنّ نفس الوقت سبب، فمن علم السبب بأي طريقة كان لزمه حكمه. فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات. وأمّا الأهلّة فلم ينصب صاحب الشرع خروجها من الشعاع سببًا للصوم، بل رؤية الهلال خارجًا من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي، فلا يثبت الحكم. ويدلّ على أنّ صاحب الشرع لم ينصب نفس خروج الهلال عن شعاع الشمس سببًا للصوم، قوله صلى الله عليه وسلّم:(صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) ، ولم يقل لخروجه عن شعاع الشمس) [5] .

6 -والذي يخفف من تشدد السبكي في رأيه هذا، هو قبوله الحساب القطعي في النفي وليس في الإثبات، فإذا جزم الحساب بعدم وجود الهلال أصلًا، أو إذا جزم بعدم إمكان رؤيته رغم وجوده، ثم شهد الشهود أنّهم رأوه، فإنّ شهادتهم ترد، لأنّ الحساب قطعي والشهادة ظنيّة. ونصّ قوله: (وها هنا صورة أخرى، وهو أن يدلّ الحساب على عدم إمكانية رؤيته ... ففي هذه الحالة لا يمكن فرض رؤيتنا له حسًا لأنّه يستحيل، فلو أخبرنا به مُخبر واحد أو أكثر ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط، فالذي يتجّه عدم قبول هذا الخبر، وحمله على الكذب أو الغلط، ولو شهد به شاهدان لم تقبل شهادتهما، لأنّ الحساب قطعي، والشهادة والخبر ظنيّان، والظن لا يعارض القطع، فضلًا عن أن يقدّم عليه. والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنًا حسًا وعقلًا وشرعًا، فإذا فرض دلالة الحساب عقلًا على عدم الإمكان، استحال القبول شرعًا لإستحالة المشهود به، والشرع لا يأتي بالمستحيلات ... وتجويز الكذب أو الغلط على الشاهدين أولى من تجويز انخرام العادة) [6] .

ورغم وضوح هذا الكلام وقوّة حجّته إلاّ أنّ كثيرًا من العلماء لا يأخذون به رغم وضوح صحّته، ويفضّلون قبول شهادة شاهدين على رؤية الهلال، ولو كانت كلّ الحسابات العلميّة تؤكّد عدم ولادة الهلال أصلًا، أو عدم إمكان رؤيته.

المبحث الثاني: القائلون أنّ السبب هو إمكان رؤية الهلال:

تحدّث بعض الفقهاء أنّ السبب الشرعي لوجوب الصيام هو (وجود الهلال وإمكان رؤيته) وليس رؤيته حقيقة، وأنا أنقل الأقوال التي اطلعت عليها:

(1) - فتاوى السبكي (1/ 207 وما بعدها) .

(2) - سورة يس:36.

(3) - سورة الرحمن:5.

(4) - سورة الإسراء: 17.

(5) - الفروق للقرافي (2/ 290) .

(6) - فتاوى السبكي (1/ 209) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت