-قال القشيري: (إذا دلّ الحساب على أنّ الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى، لولا وجود المانع كالغيم مثلًا، فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي. وليس حقيقة الرؤية مشروطة في اللزوم، فإنّ الإتفاق على أنّ المحبوس في المطمورة إذا علم بإتمام العدّة أو بالإجتهاد أنّ اليوم من رمضان وجب عليه الصوم) [1] .
-يرى السيد رشيد رضا أنّ الشارع حدّد أوقاتًا للعبادات، ووضع لها علامات ترشدنا إليها، لكن (غرض الشارع من ذلك العلم بهذه الأوقات، لا التعبّد برؤية الهلال، ولا بتبيين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ولا التعبّد برؤية ظل الزوال وقت الظهر ... ، فغرض الشارع في مواقيت العبادة معرفتها، وما ذكره من نوط إثبات الشهر برؤية الهلال أو إكمال العدّة قد علّله بكون الأمّة في عهده كانت أميّة، ومن مقاصد بعثته إخراجها من الأميّة لا إبقاؤها فيها، قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزّكيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة ... } [2] وبناءً على ذلك، يرى السيد رشيد رضا امام المسلمين طريقتين:(إمّا العمل بظواهر نصوص الشرع وعمل النبي وأصحابه في الصدر الأول في مواقيت الصلاة والصيام والحج، من رؤية الفجر والظل والغروب والشفق والهلال عند الإمكان، وبالتقدير أو رؤية العلامات عند عدم الإمكان، وفي هذه الحالة لا يجوز لمؤذن الفجر أن يؤذّن إلاّ إذا رأى ضوءه معترضًا في جهة المشرق .. إلخ, وإمّا أن تعمل بالحساب والمراصد عند ثبوت إفادتها بالعلم القطعي بهذه المواقيت، ولو مع المحافظة على الإستهلال ورؤية الهلال في حال عدم المانع من رؤيته، للجمع بين ظاهر النص والمراد منه ... وفي غير حالة الصحو وعدم المانع من رؤية الهلال، يكون إثبات الشهر بإكمال العدّة ثلاثين ظنيًّا أو دون الظني، ومن قواعد الشريعة أنّ العلم يُقدّم على الظن) . ويرى السيد رشيد رضا أنّ الحساب اليوم يفيد (العلم القطعي بوجود الهلال وإمكان رؤيته) ، وهو أصح من إثبات الشهر بإكمال عدّة شعبان ثلاثين يومًا، وإنّ الذين لم يبيحوا العمل بالحساب قد علّلوه بأنّه ظن وتخمين لا يفيد علمًا ولا ظنًا. [3]
-حكى ابن سريج عن الشافعي أنّه قال: (من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبيّن له من جهة الاستدلال أنّ الهلال مرئي وقد غمّ، فإنّ له أن يعقد الصوم ويجزيه) [4] ، ومعنى ذلك أنّ وجود الهلال وإمكان رؤيته هو السبب الشرعي لوجوب الصيام، لأنّه لو صام بناء على ذلك أجزأه الصيام.
-ذكر الإمام السبكي حالة ما إذا دلّ الحساب على أنّ الهلال (فارق الشعاع، ومضت عليه مدّة يمكن أن يرى فيها عند الغروب، فقد اختلف العلماء في جواز الصوم بذلك وفي(وجوبه) وذكر أنّ القول الثاني هو الجواز، ومعناه أنّ المقصود عندهم (وجود الهلال وإمكان رؤيته) ، وانّ هذا القول قاله كبار من العلماء، ولم يذكر أسماء هؤلاء الكبار، لكنّه رجح القول الأول، وهو عدم الوجوب وعدم الجواز، لأنّ الشارع رتب الحكم على الرؤية. ولخّص السبكي الخلاف في مسألة ما إذا دلّ الحساب على إمكان الرؤية ولم ير بقولين، الأول: أنّ السبب هو نفس الرؤية وإكمال العدّة، والثاني: أنّ السبب هو إمكان الرؤية. واعتبر القول الأول هو الأصح. [5]
المبحث الثالث: القائلون أنّ دخول رمضان هو سبب الوجوب:
أجمع الفقهاء قديمًا وحديثًا أنّ الواجب على المسلم صوم شهر رمضان كاملًا من أوّله إلى آخره، وعلى حرمة صيام يوم الفطر -وهو الأول من شوّال- لحديث أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم نهى عن صوم يومين: (يوم الفطر ويوم النحر) [6] ، وصرّح كثير منهم بكراهة صيام يوم الشكّ - وهو الثلاثون من شعبان- للحديث المشهور: (من صام اليوم الذي يُشكّ فيه فقد عصا أبا القاسم صلى الله عليه وسلّم) [7] . وقد صح في الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصوموا قبل رمضان ... ) وأمرهم أن لا يفطروا آخر رمضان إلاّ إذا رأول الهلال أو أكملوا الثلاثين [8] .
(1) - الموسوعة الفقهية الكويتية (22/ 33) نقلًا عن عمدة القاري (10/ 272) .
(2) - سورة الجمعة: 2.
(3) - (تفسير المنار 2/ 185) .
(4) - بداية المجتهد لإبن رشد (1/ 285) .
(5) - فتاوى السبكي (1/ 208) .
(6) - متفق عليه.
(7) - رواه أصحاب السنن والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين.
(8) - الموطأ (1/ 287) النسائي (4/ 136) أبو داود (2327) الترمذي (688) .