فهرس الكتاب
ثم إن الإنسان أي إنسان لابد له من الصبر إما اختيارًا، وإما اضطرارًا؛ ذلك أنه عرضة لكثير من البلاء في نفسه بالمرض، وفي ماله بالضياع، وفي أولاده وأحبته بالموت، وفي حياته العامة بالحروب وتوابعها من فقدان كثير من حاجاته التي تعوَّدها في حياته؛ فإذا لم يتعوَّدِ الصبر على المشاق، وعلى ترك ما يألف وقع صريع تلك الأحداث.
وكذلك حال الإنسان مع الشهوات؛ فهي تتزين له وتغريه، وتتمثل له بكل سبيل؛ فإذا لم يكن معه رادع من الصبر ووازع من الإيمان أوشك أن يتردى في الحضيض.
ومن كان متصديًا للدعوة إلى الإصلاح منبريًا للدفاع عن الحق فما أشد حاجته إلى الصبر، وتوطين نفسه على المكاره؛ فإن في تلك السبيل عقبةً كؤودًا لا يقتحمها إلا ذو الهمم الكبيرة؛ فإن في طوائف المبطلين أو المفسدين نفوسًا طاغية، وأحلامًا طائشة، وألسنةً مقذعة، وربما كانت فيهم أيدٍ باطشة، وأرجلٌ إلى غير الحق ساعية.
وإنما تعظم همة الداعي إلى الحق والإصلاح بقدر صبره، وبقدر ما يتوقعه من فقد محبوب أو لقاء مكروه؛ فلابد لأهل الحق من الصبر على دعوة الناس، ولابد لهم من الصبر في انتظار النتائج؛ لأن استعجال الثمرة قد يؤدي إلى نتائج معاكسة تضر أكثر مما تنفع؛ فالصبر إذا اقترن بالأمر كان عصمةً للداعية من الانقطاع، وتفجرت بسببه ينابيع العزم والثبات.
إنه الصبر المترع بأنواع الأمل العريض، والثقة بمن بيده ملكوت كل شيء ليس صبر اليائس الذي لم يجد بدًا من الصبر فصبر، ولا صبر الخانع الذليل لغير ربه _ جل وعلا _.
وبالجملة فإن الصبر من أعظم الأخلاق وأجل العبادات، وإن أعظمَ الصبر وأحمدَه عاقبة الصبرُ على امتثال أمر الله، والانتهاء عما نهى عنه؛ لأن به تخلُص الطاعة، ويصِحُّ الدين، ويستَحَقُّ الثواب؛ فليس لمن قل صبره على الطاعة حظٌ من بر، ولا نصيب من صلاح.