فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 75

ومن الصبر المحمود: الصبر على ما فات إدراكه من رغبة مرجوة، وأعوز نيله من مسرة مأمولة ؛ فإن الصبر عنها يعقب السلو منها، والأسف بعد اليأس خُرْقٌ.

ومن جميل الصبر: الصبر فيما يخشى حدوثه من رهبة يخافها ؛ أو يحذر حلوله من نكبة يخشاها؛ فلا يتعجل همَّ ما لم يأت فإن أكثر الهموم كاذبة، وإن الأغلب من الخوف مدفوع.

ومن جميل الصبر: الصبر على ما نزل من مكروه، أو حل من أمر مخوف؛ ففي الصبر في هذا تنفتح وجوهُ الآراء، وتُسْتَدْفَعُ مكائدُ الأعداء ؛ فإن من قل صبره عَزُبَ رأيه، واشتد جزعه؛ فصار صريع همومه، وفريسة غمومه.

وكما أن الأفراد بأمس الحاجة إلى الصبر فكذلك الأمة؛ فأمة الإسلام كغيرها من الأمم لا تخرج عن سنن الله الكونية؛ فهي عرضة للكوارث والمحن، وهي في الوقت نفسه مكلفة بمقتضى حكم الله الشرعي بحمل الرسالة الخالدة، ونشر الدعوة المباركة، وتحمُّل جميع ما تلاقيه في سبيلها برحابة صدر، وقوة ثبات، ويقين بأن العاقبة للتقوى وللمتقين.

وهي كذلك مطالبة بالجهاد في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله، ونشر دين الله، وإزاحة ما يقف في وجه الدعوة من عقبات؛ فلابد لها من الجهاد الداخلي الذي لا يتحقق إلا بمجاهدة النفس والهوى، وهذا الجهاد لا يتحقق إلا بخلق الصبر، ومغالبة النفس والشيطان والشهوات؛ فذلك هو الجهاد الداخلي الذي يؤهل للجهاد الخارجي؛ لأن الناس إذا تركوا طباعهم وما أودع فيها من حب للراحة وإيثار للدعة، ولم يشد أزرهم بإرشاد إلهي تطمئن إليه نفوسهم، ويثقون بحسن نتائجه _ عجزت كواهلهم عن حمل أعباء الحياة، وخارت قواهم أمام مغرياتها، وذاب احتمالهم أمام ملذاتها وشهواتها؛ فيفقدون كل استعداد لتحصيل السمو والعزة، والمنزلة اللائقة؛ فلهذا اختار الله لهم من شرائع دينه ما يصقل أرواحهم، ويزكي نفوسهم، ويمحص قلوبهم، ويربي ملكات الخير فيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت