فهرس الكتاب
وقد أمر الله بالشكر، ونهى عن ضده، وأثنى على أهل الشكر، ووصف به خاصة خلقه، ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعله سببًا للمزيد من فضله، وحارسًا وحافظا لنعمته، وأخبر _ عز وجل _ أن أهل الشكر هم المنتفعون بآياته.
والشكرُ قيدُ النعم الموجودةِ، وصيدُ النعمِ المفقودة.
وحقيقة الشكر هوَ ظهورُ أثرِ نعمةِ اللهِ على لسان عبده ثناءًا واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة.
والمؤمن حقًا هو مَنْ يلازم الشكرَ في شتى أحواله؛ فإذا نزل به ما يحب شكر الله عليه؛ إذْ هو المنعمُ المتفضل، وإذا نزل به ما يكره شكر الله على ما قدره عليه؛ كظمًا للغيظ، وسترًا للشكوى، ورعاية للأدب، وسلوكًا لمسلك العلم؛ فإن العلم بالله والأدب معه يأمران بشكر الله على المحاب والمكاره، وإن كان الشكر على المكاره أشقَّ وأصعب.
هذا وإن من أعظم الدروس المستفادة من الحج انبعاثَ عبودية الشكر لله _ عز وجل _ فالحاج على سبيل المثال يرى المرضى، والمعاقين، والعميان، ومقطعي الأطراف وهو يتقلب في أثواب الصحة والعافية؛ فينبعث بذلك إلى شكر الله _ عز وجل _ على نعمة العافية.
ويرى ازدحام الحجيج، وافتراشهم الأرض، وربما لا يستطيع الحاج أن يجد مكانًا يجلس فيه؛ فيتذكر نعمة المساكن الفسيحة التي يسكن فيها؛ فينبعث إلى شكر الله على ذلك.
ويرى الفقراء والمعوزين؛ فينبعث إلى شكر الله على نعمة المال والغنى، ويرى نعمة ربه عليه أن يسر له الحج الذي تتشوق إليه نفوس الكثيرين من المسلمين، ولكنهم لا يستطيعون إليه سبيلًا؛ فيشكر الله _ عز وجل _ أن يسَّر له الحج، وأعانه على أداء مناسكه، بل ويرى نعمة ربه عليه أن جعله من المسلمين؛ فينبعث إلى شكر نعمة الإسلام، ويعض عليها بالنواجذ، ويثني عليها بالخناصر؛ لأن نعمة الإسلام لا تَعْدِلها نعمةٌ ألبتة, وهكذا تكون عبودية الشكر في الحج؛ فيكون الحاج من الشاكرين وإذا كان كذلك درت نعمه وقرت.