فهرس الكتاب
وهكذا يفيد الحجاج من ذلك المشهد العظيم ألا وهو رمي الجمار درسًا عظيمًا ألا وهو مراغمة الشيطان وعداوته؛ فالشيطان عدوٌ للإنسان، والحجاج لا يرمون الشيطان، وليس الشيطان بواقف لهم يرجمونه، وإنما يرجمون المواقف التي وقف بها الشيطان لأبيهم إبراهيم؛ فرجمه الخليل _ عليه السلام _ فهم يرجمونه لا لمجرد التكرار وإنما للاقتداء والانتفاع والاعتبار.
فعليهم أن يتأملوا كيف عرف أبوهم إبراهيم أن الذي وقف له ليصده عن امتثال أمر ربه أنه شيطان؛ حيث تَمثَّل له ثلاث مرات، فرجمه إبراهيم ثلاث مرات كل مرة بسبع حصيات وقال له: ليس لك عندي إلا الرجم، فخنس وخسأ، وخاب ظنه، ونكص على عقبيه.
فأولوا الألباب يعتبرون بهذا الرجم، ويأخذون منه دروسًا وعبرًا؛ إذ يعاملون كل شيطانٍ من شياطين الجن والإنس ممن يريدون صرفهم عن طاعة ربهم بالرجم المعنوي الذي هو بغض من صد عن سبيل الله، وعصيانه، ومراغمته، والابتعاد عنه والاستعاذة بالله منه؛ فيعرفون أن كل من حاول صدَّهم عن طاعة ربهم، أو فتنتَهم في دينهم _ أنه شيطان مهما لبس من لبوس، ومهما أظهر من مودة وتصنع.
مشاهد الاضطرار والافتقار إلى الله، والتذلل والانكسار بين يديه، ومشهد انتظار الفرج منه _ تبارك وتعالى _ من أعظم المشاهد في الحج.
فالحاج وهو متلبس بتلك الشعيرة العظيمة يشعر بأنه مضطر إلى الله مفتقر إليه، خائف منه، راجٍ ما عنده، منكسرٌ بين يديه.
وهذا هو لب العبادة، ومقصودها الأعظم؛ فالافتقار إلى الله دون من سواه هو عينُ الغنى، والتذلل، والانطراح بين يديه هو العزُّ الذي لا يدانيه عز؛ فالله _ تبارك وتعالى _ يحب المنكسرة قلوبهم فيدنيهم، ويقرب منهم، بل هو _ عز وجل _ عند المنكسرة قلوبهم من أجله.