فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 75

عن عمرانَ بنِ موسى القصيرِ قال: قال موسى _ عليه السلام _: =يا ربي أين أبغيك؟ قال: ابغني عند المنكسرة قلوبُهم من أجلي؛ فإني أدنوا منهم كل يوم باعًا، ولولا ذلك لانهدموا+ رواه الإمام أحمد في الزهد.

ثم إن حاجة الإنسان، بل ضرورته إلى ربه لا تدانيها حاجة أو ضرورة؛ فإن في القلب جوعةً، وفقرًا ذاتيًا، وفاقةً وحاجةً لا يسدها إلا الإقبال على الله _ عز وجل _.

وكلما اشتدت حاجة الإنسان إلى ربه، وعظمت ضرورته إليه، واشتد تحريه لإجابة دعائه _ جاءه الفرج، وأقبل عليه اليسر؛ فانتظار الفرج من أجل العبوديات وأعظمها.

ما ضاق بالمرء أمر فاستعد له ... عبادةَ الله إلا جاءه الفرجُ

ولا أناخ بباب الله ذو ألمٍ ... إلا تزحزح عنه الهم والحرجُ

قال ابن القيم ×: =انتظار روح الفرج يعني راحته، ونسيمه، ولذته؛ فإن انتظاره، ومطالعته، وترقبه يخفف حمل المشقة لا سيما عند قوة الرجاء، أو القطع بالفرج؛ فإنه يجد في حشو البلاء من رَوْح الفرج، ونسيمه، وراحته ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج معجل+.

وهذه المعاني العظيمة تُدرك بالحج، وينالها الحاج في كثير من المواطن والمناسك؛ فالحاج _ على سبيل المثال _ إذا رأى جموع الحجيج المزدحمة عند الطواف، والسعي، وفي رمي الجمار، أو في الطرقات ظن أن تلك الجموع لن تتفرق، وأنه لن يصل إلى مبتغاه من إكمال نسكه، وربما أدركه الضجر، وبلغت منه السآمة مبلغها، وربما أضمر في نفسه أنه لن يحج بعد عامه هذا، وما هي إلا مدة يسيرة ثم تنزاح تلك الجموع، ويتيسر أداء المناسك.

وفي هذا درس عظيم، وسر بديع يتعلم منه الحاج عبودية انتظار الفرج؛ فلا ييأسُ بعد ذلك من روح الله، وقرب فرجه مهما احلولكت الظلمة، ومهما استبد الألم سواء في حاله أو حال أمته.

بل يكون محسنًا ظنه بربه، منتظرًا فرجه، ولطفه، وقرب غِيَره.

ولا بعد في خير وفي الله مطمع ... ولا يأس من روح وفي القلب إيمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت