فهرس الكتاب
وقول النبي"في هذا الحديث الصحيح: =فذلك سعي الناس بينهما+ فيه الإشارة الكافية إلى حكمة السعي بين الصفا والمروة؛ لأن هاجر سعت بينهما السعي المذكور، وهي في أشد حاجة، وأعظم فاقة إلى ربها؛ لأن ثمرة كبدها وهو ولدها إسماعيل تنظره يتلوّى من العطش في بلد لا ماء فيه ولا أنيس، وهي _أيضًا_ في جوع وعطش في غاية الاضطرار إلى خالقها _ جل وعلا _ وهي من شدة الكرب تصعد على هذا الجبل؛ فإذا لم تر شيئًا جرت إلى الثاني فصعدت عليه لترى أحدًا؛ فأُمر الناسُ بالسعي بين الصفا والمروة؛ ليشعروا بأن حاجتهم، وفقرهم إلى خالقهم ورازقهم كحاجة وفقر تلك المرأة في ذلك الوقت الضيِّق، والكرب العظيم إلى خالقها ورازقها، وليتذكروا أن من كان يطيع الله كإبراهيم _ عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام _ لا يضيعه ولا يخيب دعاؤه، وهذه حكمة بالغة ظاهرة دل عليها حديث صحيح+ انتهى كلام العلامة الشنقيطي ×."
فيا أيها الحاج: استحضر هذا الدرسَ العظيم، والحكمة البالغة؛ فما دمت مطيعًا لله، مفتقرًا إليه، ملازمًا دعاءه فلا تيأسن من لطفه؛ فإذا أَلَمَّت بك مصيبة، أو نزل بك بلاء، أو ركبك دين، أو لازمك مرض سواء في نفسك أو ولدك أو من تحب _ فانتظر فرج ربك _ جل وعلا _.
وإذا رأيت أمتك تسام الخسف، ويتطاول عليها الأعداء، ورأيت إخوانك المسلمين وهم يعانون الأمرَّين _ فلا تركن إلى خاطر اليأس، ولا تظننَّ أن الليل ليس له آخر.
بل كن متفائلًا، حسن الظن؛ فإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا، ولن يغلب عسر يسرين.
وهكذا يفيد الحاج الدرس العظيم من الحج، ألا وهو الافتقار إلى الله _ تبارك وتعالى _ والتذلل والانكسار بين يديه، وانتظار فرجه _ عز وجل _.
اللهم آمن روعاتنا، واستر عوراتنا، واختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا.
العزة خصلة شريفة، وخلة حميدة، وخلق رفيع، وأدبٌ سامٍ تعشقها قلوب الكرام، وتهفو إلى اكتسابها النفوس الكبار.