فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 75

ومن لطائف التوبة أن التوبةَ واجبةٌ ومستحبةٌ؛ فالتوبةُ الواجبةُ تكون من فعلِ المحرماتِ وترك الواجباتِ، والتوبةُ المستحبةُ تكون من فعل المكروهات وتركِ المستحبات؛ فمن اقتصر على التوبة الأولى كان من المقتصدين الأبرار، ومن تاب التوبتين كان من السابقين المقربين، ومن لم يأتِ بالأولى الواجبة؛ كان من الظالمين.

ومن المسائل في باب التوبة مسألة التوبة النصوحِ، وهي الخالصةُ، الصادقةُ، الناصحةُ الخاليةُ من الشوائب و العلل؛ وهي التي تكون من جميع الذنوب؛ فلا تَدَعُ ذنبًا إلا تناولتْه، وهي التي يَجْمَعُ صاحبُها العزمَ والصدقَ بكُلِّيته؛ فلا يبقى عنده تردُّدٌ ولا تَلوُّم، ولا انتظار، وهي التي تقعُ لمحض خوف الله، وخشيته، والرغبة مما لديه، والرهبة مما عنده؛ فمن كانت هذه حالَهُ غُفِرَتْ ذنوبُه كلُّها، وإذا حَسُنَتْ توبتُه بَدّلَ اللهُ سيئاتِه حسنات.

ومن اللطائف في هذا الباب مسألةُ التوبةِ الخاصة، وهي التي تكون من بعض الذنوب؛ فالواجب على العبد أن يتوب من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها.

لكن إذا تاب من بعضها مع إصراره على بعضها الآخر _ قُبِلَتْ توبتُه مما تاب منه ما لم يُصِرَّ على ذنبٍ آخرَ من نوعه.

مثال ذلك: أن يتوب من الرّبا وهو مصر على شرب الخمر، فتقبل توبته من الربا، وهكذا.

وقد يُتَصَوَّر أن يتوب الإنسانُ من الكثير من الذنوب دون القليل منها؛ لأن لكثرة الذنوب تأثيرًا في كثرة العقوبة، وصعوبة التوبة.

وبالجملة فكلُّ ذنبٍ له توبةٌ خاصةٌ، وهي فرضٌ منه لا تتعلق بالتوبة من غيره؛ فهذه هي التوبةُ الخاصةُ، وحكمها: أنها تَصِحُّ فيما تاب منه؛ شريطةَ أن يكون التائب باقيًا على أصل الإيمان.

وسر المسألة: أن التوبة تَتَبَعَّضُ كالمعصية؛ فيكون تائبًا من وجه دون وجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت