فهرس الكتاب
ومن اللطائف في باب التوبة مسألةُ رجوعِ الحسناتِ إلى التائب بعد التوبة؛ فإذا كان للعبد حسناتٌ، ثم عمل بعدها سيئاتٍ استغرقت حسناتِه القديمةَ وأَبْطَلَتْها، ثم تاب بعد ذلك توبة نصوحًا _ عادت إليه حسناتُه القديمةُ، ولم يكن حكمُه حكمَ المستأنف لها بل يقال: تُبْتَ على ما أسلفتَ من خير؛ فالحسنات التي فَعَلْتَها في الإسلام أعظمُ من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره، من عتاقة، وصدقة، وصِلَةٍ، وبر.
قال حكيم بن حزام ÷: =قلت يا رسول الله، أرأيتَ أشياءَ كنت أتحنَّث بها _ يعنى أتعبَّد بها _ في الجاهلية من صَدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم؛ فهل فيها من أجر؟ فقال النبي": =أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير+رواه البخاري، ومسلم."
قال ابن حجر × في شرح الحديث: =لا مانع من أن يضيف الله إلى حسناته في الإسلام ثوابَ ما كان صدر منه في الكفر؛ تفضّلًا وإحسانًا+ ا. هـ.
وقال ابن القيم × مبيّنًا العلة في ذلك: =وذلك لأن الإساءةَ المُتَخَلِّلَة بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة، وصارت كأنها لم تكن؛ فتلاقت الطاعتان، واجتمعتا، والله أعلم+ ا. هـ.
ومن اللطائف في باب التوبة: مسألةُ رجوعِ التائبِ إلى حاله ومقامه قبل المعصية؛ فقد يكون للعبد حالٌ، أو مقامٌ مع الله، ثم ينزل عنه بسبب ذنبٍ ارتكبه، ثم بعد ذلك يتوب من ذلك الذنب، فهل يعود بعد التوبة إلى مثل ما كان، أو لا يعود، أو يعود إلى أنقص من رتبته، أو يعود خيرًا مما كان؟.
والجواب: أن من التائبين من يعود إلى مثل حاله الأول، ومنهم من يعود إلى أكملَ من حاله، ومنهم من يعود إلى أنقصَ مما كان؛ فإن كان بعد التوبة خيرًا مما كان قبل الخطيئة، وأشدَّ حذرًا، وأعظم تشميرًا، وأعظم ذلًا وخشية وإنابة _ عادَ إلى أرفعَ مما كان.
وإن كان قبل الخطيئةِ أكملَ في هذه الأمور، ولم يعد بعد التوبة إليها عاد أنقص مما كان عليه.
وإن كان بعد التوبةِ مثلَ ما كان قبل الخطيئة _ رجع إلى منزلته.