فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 75

وليس السرُّ في العيد: يومَهُ الذي يبتدئُ بطلوع الشمس وينتهي بغروبها، وإنما السرُّ فيما يَعْمُرُ ذلك اليومَ من أعمال، وما يَغْمُرُه من إحسان وأفضال، وما يغشى النفوسَ المستعدَّةَ للخير فيه من سموٍّ وكمال؛ فالعيد إنما هو المعنى الذي يكون في العيد, لا اليومُ نفسُهُ.

هذه بعض معاني العيد: كما نفهمها من الإسلام، وكما يحقِّقُها المسلمون الصادقون؛ فأين نحن اليوم من هذه الأعياد؟ وأين هذه الأعياد منا؟ وما نصيبنا من هذه المعاني؟ وأين آثار العبادةِ من آثار العادة في أعيادنا؟

إن مما يُؤسَف عليه أن بعض المسلمين جَرَّدوا هذه الأعياد من حِليتها الدينية، وعَطَّلوها عن معانيها الروحية الفوارة التي كانت تفيض على النفوس بالبهجة، مع تَجَهُّم الأحداث، وبالبشر مع شدة الأحوال؛ فأصبح بعض المسلمين _ وإن شئت فقل: كثير منهم _ يَلْقَون أعيادهم بهممٍ فاترة، وحِسٍّ بليد، وشعور بارد، وأسرَّةٍ عابسة، حتى لكأنَّ العيد عملية تجارية تَتْبَعُ الخِصبَ والجَدَّ، وتتأثر بالعسر واليسر، والنَّفاق والكساد، لا صبغة روحيَّة تؤثِّر ولا تتأثَّر.

ولئن كان من حق العيد أن نَبْهَج به ونفرح، وكان من حقِّنا أن نتبادل به التهاني، ونطّرح الهموم، ونتهادى البشائر _ فإن حقوقَ إخواننا المشردين المعذبين شرقًا وغربًا تتقاضى أن نحزن لمحنتهم ونغتم، ونُعْنَى بقضاياهم ونهتم؛ فالمجتمع السعيد الواعي هو ذلك الذي تسمو أخلاقه في العيد، إلى أرفع ذروة، ويمتد شعوره الإنساني إلى أبعد مدى، وذلك حين يبدو في العيد متماسكًا متعاونًا متراحمًا، حتى لَيَخْفِقُ فيه كل قلب بالحب، والبر، والرحمة، ويذكر فيه أبناؤه مصائب إخوانهم في الأقطار حين تنزل بهم الكوارث والنكبات.

ولا يراد من ذلك تَذْراف الدموع، ولبس ثياب الحداد في العيد، ولا يراد منه _أيضًا_ أن يعتكف الإنسان المرزوء بفقد حبيب أو قريب، ولا أن يمتنع عن الطعام، كما يفعل الصائم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت