فهرس الكتاب
كان يعمل في التجارة، وكان رأس ماله نحو أربعمائة ألف يدور يتَّجر به في البلدان، فحيث اجتمع بعالم أحسن إليه، وكان يربو كسبه في كل سنة على مائة ألف ينفقها كلها في أهل العلم، والعبادة، والزهد، وربما أنفق من رأس ماله.
وكان الباعث له على العمل بالتجارة أمرين:
1_ صيانة الوجه أن ينكسف بسواد المطالب، وذلة السؤال.
قال له الفضيل بن عياض: أنت تأمرنا بالزهد، والتقلل، والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع كيف ذا؟
قال يا أبا علي! إنما أفعل ذلك؛ لأصون وجهي، وأكرم عرضي، وأستعين به على طاعة ربي.
2_ الإنفاق على العُبَّاد، والزهاد، وأهل العلم؛ فقد قال للفضيل: لولاك وأصحابك ما اتّجرت.
ولهذا كان كثير من العبَّاد لا يقبلون إلا عطاياه.
كان ابن المبارك كريمًا، وأخباره أشهر من أن تذكر، وكان شجاعًا، مجاهدًا، حافظًا، محدثًا، شاعرًا، فقيهًا.
توفي سنة 181هـ وله ثلاث وستون سنة.
قال العباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديث، والفقه، والعربية، وأيام الناس، والشجاعة، والسخاء، والتجارة، والمحبة عند الفرق.
وقال يحيى بن آدم: كنت إذا طلبت دقيق المسائل، فلم أجده في كتب ابن المبارك أيست منه.
وقال سفيان الثوري: لو جهدت جهدي أن أكون في السنة ثلاثة أيام على ما عليه ابن المبارك _ لم أقدر.
وقال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة، وأمر عبد الله فما رأيت لهم عليه فضلًا إلا لصحبتهم النبي"وغزوهم معه."
وعن عبد الله بن سنان قال: قدم ابن المبارك مكة، وأنا فيها، فلما خرج شيعه سفيان بن عيينة والفضيل، وودعاه، فقال أحدهما: هذا فقيه أهل المشرق، فقال الآخر: وفقيه أهل المغرب.
ملحوظة: هذه الشهادات لابن المبارك من أفاضل السلف وأكابرهم تدل على نفوس طاهرة زكية؛ إذ إن بعضهم يشهد لبعض دونما تحرج أو حسد؛ فما النتيجة إذًا؟
لقد رفعهم الله جميعًا، ونحن إذ نسمع مثل هذه الشهادات نهتز لها طربًا، وربما كان إعجابنا بالشاهد أعظم من إعجابنا من المشهود له.