فهرس الكتاب
2_ ولسنا نريد _ رحمك الله _ بهذه العزلة التي تختارها مفارقة الناس في الجماعات والجمعات، وترك حقوقهم في العبادات، وإفشاء السلام، ورد التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، ووضائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم؛ فإنها مستثناة بشرائطها، جارية على سبلها، ما لم يحل دونها حائل شغل، ولا يمنع عنها مانع عذر، إنما نريد بالعزلة ترك فضول الصحبة، ونبذ الزيادة منها، وحط العلاوة التي لا حاجة بك إليها؛ فإن من جرى في صحبة الناس، والاستكثار من معرفتهم، على ما يدعو إليه شغف النفوس وإلف العادات، وترك الاقتصاد فيها، والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه _ كان جديرًا ألا يحمد غِبَّه، وأن يستوخم عاقبته، وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان جوعه، ويأخذ منه فوق قدر حاجته؛ فإن ذلك لا يلبث أن يقع في أمراض مدنفة، وأسقام متلفة، وليس من علم كمن جهل، ولا من جرب وامتحن كمن ماد وخاطر.ص16
3_ قال الشيخ أبو سليمان: وكان ابن عمر من أشد الصحابة حذرًا من الوقوع في الفتن، وأكثرهم تحذيرًا للناس من الدخول فيها، وبقي إلى أيام فتنة ابن الزبير، فلم يقاتل معه، ولم يدافع عنه، إلا أنه كان يشهد الصلاة معه، فإذا فاتته صلاها مع الحجاج، وكان يقول: إذا دعونا إلى الله أجبناهم، وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم.ص26
4_ لا يستوحش مع الله من عمر قلبه بحبه، وأنس بذكره، وألف مناجاته بسره، وشغل به عن غيره، فهو مستأنس بالوحدة، مغتبط بالخلوة.ص28 _ 29
5_ قال بعض الحكماء: إنما يستوحش الإنسان بالوحدة؛ لخلاء ذاته، وعدم الفضيلة من نفسه؛ فيكثر حينئذ بملاقاة الناس، ويطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم، فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة؛ ليستعين بها على الفكرة، ويتفرغ لاستخراج الحكمة.ص29