فهرس الكتاب
وليست هذه الشؤون الظاهرة مما يعرض لأعضائه بغتة مثل ما يعرض الاختلاج للعين والارتعاش لليد، بل هي ناشئة عن قلب حاضر، ومنسوجة بإرادة ثابتة. ص18
12_ فتحرر بهذا الاستقراء: أن مدار كمال الإنسان على عقل، وعلم، وأدب، وإرادة، واستطاعة، وعمل. ص19
13_ القوة العاقلة: هي استطاعةُ النفسِ الانتفاعَ بالمعلومات عند الحاجة إليها.
ومما لا يحتمل الشبهة، أن حصص النفوس من هذه القوة متفاوتة؛ فمن الناس ذكي يقرأ من صفحات الوجوه، ولحظات العيون ما يُكِنِّه الرجل في خبايا سريرته، ومنهم غبي لا يصل إلى المعاني القريبة إلا بالعبارة الواضحة، وإعادتها عليه مرة بعد أخرى.ص20
14_ نوه الإسلام بشأن العقل، وشمله بعناية كبيرة، ونكتفي في تقرير هذه العناية بثلاثة شواهد:
أحدها: أنه منع من تناول ما يؤثر فيه خللًا، كالمسكرات، وأغلظ القول في تحريمه.
ثانيها: ما وضعه على من ضرب شخصًا فأزال عقله من دية مبلغها ألف دينار.
ثالثها: توسيع طرق النظر أمامه، واستدعاؤه إلى التدبر في أسرار الموجودات.
رفع الإسلام مكانة العقل، وأثبته في سجل الشرف، على شرط أن يواجهه صاحبه في البحث عن مكان الحقيقة، وينافس به لإحراز العلوم النافعة.
ومما ينبهك على هذا الشرط الوثيق، قوله _ تعالى _ في ذم قوم حبسوا عقولهم في ظلمة الباطل، ولم يطلقوها من أسر المتابعة والجمود: [إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا] الفرقان: 44.
فتمثيل حالهم بالأنعام، إنما ساقه إليهم إغفال عقولهم، وبقاؤها تائهة في أودية الجهالة، إلى أن حرموها حلاوة اليقين، وراحة الاعتقادات الراسية.
وقد مثل _ تعالى _ حال من نفروا عن العظة، ونأوا بجانبهم عن الإصاخة إليها بحال الحُمُر المتوحشة إذا عاينت أسدًا امتلأت منه فزعًا، وطاشت عن ساحته فالتةً، فقال: [كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ] المدثر:50 _ 51.