فهرس الكتاب
وفي إلحاقهم بالحمر، ووضعهم معها في قران التشبيه إيذان بأن منزلتهم في الحطّة ما برحت بإزاء منازلها، وأنَّ قُوى مداركهم لم تصعد بهم إلى مطالع الشرف قيد أنملة؛ حيث أصبحت عارية من إدراك ما فيه سعادة دائمة.
وقال _ تعالى _ في جملة ما قصه علينا من أقوال الضالين عن سنة هدايته: [وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ] الملك: 10 الآية.
فهؤلاء لم يريدوا سلب حقيقة العقل من أنفسهم بحسب الواقع، وإنما اعتبروه بمثابة المعدوم، وأطلقوا في نفيه؛ حيث لم يجتنوا به ثمرة الإيمان الواجب، ولم يستضيئوا به في البحث عن التعاليم المفيدة.ص22 _ 2315_ يذكر بعض الناس: أن واسع العقل يكون أنكد عيشًا في هذه الحياة، ممن قصرت أنظارهم، وجمدت مداركهم، ومنهم من يقول: إنما الراحة فيها على مقدار اتساع العقل، وبعد مراميه.
وقد فك ابن حزم التعارض بين المقالين: بأن استراحة العقلاء من جهة تلقي المكاره بعزيمة ثابتة، وعدم التأثر لصدمات المصائب، بخلاف صاحب النظر الفاتر؛ فإن خاطره ينزعج لأقل بلاء ينزل بساحته.
وأما نكد عيش العاقل فمن أجل ما يشاهده من إطفاء نور الحق، والنفخ في مزمار الباطل، أو الاستماع إلى ألحانه بطرب وارتياح.
وهذا بخلاف من انطفأت بصيرته؛ فإنه لا يهمه _ بعد انتظام شؤون بيته _ أن تنهض قائمة، أوتحز أعناقها على نُصب الشهوات.ص25
16_ إذا كانت العقول في مثال السيوف، تقطع الباطل أن يتشبث بأطراف الحقائق؛ فإن العلم ثقافها الذي يقوِّم أَوَدَها، ومِصْقَلَتُها التي تجلو أصداءها.
أترون السيف الذي احدودب متنه، أو تَكاثف الخبث على غراره، كيف يقبح منظره، وينبو عند الضراب به؟.27