الصفحة 234 من 442

_ وأخرج ابن عساكر عن قبيصة بن جابر قال: صحبت معاوية فما رأيت رجلًا أثقل حلمًا ولا أبطأ جهلًا، ولا أبعد أناة منه، وصحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلًا أنصع طرفًا ولا أحلم جليسًا منه، وصحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر _ أي احتيال _ لخرج من أبوابها كلها.ص65

_ وقال المقبري: تعجبون من دهاء هرقل وكسرى، وتَدَعُوَن معاوية؟! وذكروا أنه لم يكن في ملوك العجم أدهى من كسرى أنوشروان.ص66

_ وكان معاوية ÷ من أدهى الدهاة، رُوي أن عمر بن الخطاب ÷ قال لجلسائه: تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية.

وذكروا أن عمر بن الخطاب لما دخل الشام فرأى معاوية قال: هذا كسرى العرب.ص66

_ ولم يكد معاوية يتولى الأمر بالشام حتى أخذ بما أوتيه من علم وحلم يضع أساس الملك، ويسير في رعيته سيرة حسنة حببته إليهم، وكان يتأنى الأمور، ويداري الناس على منازلهم، ويرفق على طبقاتهم؛ فأوسع الناس من أخلاقه، وأفاض عليهم من بره وعطائه، وشملهم من إحسانه، فاجتذب القلوب، واستدعى النفوس حتى آثروه على الأهل والقرابات، وعُدَّ مربيَّ دولٍ، وسائسَ أمم، وراعيَ ممالك.ص66

_ وكان ÷ يُرمى بالمطاعن، ويُرشق بسهام الإنكار، فَيُسِرُّها في نفسه، ولا تبدو عليه سورة الغيظ الذي يتخبط كثيرًا من المستبدين.

وأسمعه رجلٌ كلامًا شديدًا فقيل له: لو عاقبته! فقال: إني لأستحي أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي، وأغلظ له رجل فحلم عنه، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا.ص66 _ 67

_ وقال ÷: لقد كنت ألقى الرجل من العرب أعلم أن في قلبه عليّ ضغنًا، فأستشيره، فيشير إلي منه بقدر ما يجده في نفسه، فلا يزال يوسعني شتمًا وأوسعه حلمًا، حتى يرجع صديقًا أستعين به فيعينني، وأستنجده فينجدني.ص67

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت