الصفحة 26 من 442

ثم أنا أتقاضى القدرَ مراداتي، ولا أتقاضى بصبر على مكروه، ولا بشكر على نعمة؛ فأخذت أنوح على تقصيري في شكر المنعم، وكوني أتلذذ بإيراد العلم من غير تحقيق عمل به، وقد كنت أرجو مقامات الكبار فذهب العمر وما حصل المقصود؛ فوجدت أبا الوفاء ابن عقيل قد ناح نحو ما نحتُ؛ فأعجبتني نياحته (1) فكتبتها ههنا.

قال لنفسه:يا رعناءُ! تقوِّمين الألفاظ؛ ليقال: مناظرٌ، وثمرة هذا أن يقال: يا مناظر، كما يقال للمصارع: الفاره.

ضيعت أعز الأشياء وأنفسها عند العقلاء _وهي آخر أيام العمر_ حتى شاع لك بين من يموت غدًا اسم مناظر، ثم يُنسى الذاكر والمذكور إذا درست القلوب، هذا إن تأخر الأمر إلى موتك، بل ربما نشأ شابٌّ أفَرَهُ منكِ، فموَّهوا له، وصار الاسم له، والعقلاء (2) عن الله تشاغلوا بما إذا انطووا نَشَرَهم (3) ، وهو العمل بالعلم، والنظر الخالص لنفوسهم.

أفٍّ لنفسي! وقد سطرت عدة مجلدات في فنون (4) العلم، وما عبق بها فضيلة. (5)

إن نوظِرَتْ شَمَخَتْ، وإن نوصِحَتْ تَعَجْرَفتْ (6) ، وإن لاحت الدنيا طارتْ إليها طيرانَ الرَّخَمِ، وسقطتْ عليها سقوطَ الغراب على الجيف؛ فليتها أَخَذَتْ أخذَ المضطر من الميتة، توفر في المخالطة عيوبًا تُبلى، ولا تحتشم نَظرَ الحقِّ إليها، وإن انكسر لها غَرَضٌ تضجرت (7) ، فإن أمِدَّت بالنعم اشتغلت عن المنعم.

أف والله مني، اليوم على وجه الأرض، وغدًا تحتها.

(1) _ يعني بكاءه على نفسه، ولومها لتقصيرها في جنب الله.

(2) _ يعني بهم: الذين يعقلون عنه أمره ونهيه.

(3) _ يعني إذا ماتوا أحياهم، وجعل الناس يذكرونهم.

(4) _ لعله يشير إلى كتابه (الفنون ) الذي بلغ ثمانمائة مجلد كما ذكر ذلك ابن رجب الحنبلي في كتابه ذيل طبقات الحنابلة 1/ 156.

(5) _ يعني أنه ما استفاد مما علم، ولم يعلق به شئ من ذلك، وهذا من تواضعه.

(6) _ يعني تكبرت واستنكفت عن قبول الحق.

(7) _ يعني أن نفسه تضجر وتسخط إذا لم تأتها الأمور كما تريد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت