فهرس الكتاب
4_ وإن كنت _ أيها الأخ _ ترغب في سمو القدر، ونباهة الذكر، وارتفاع المنزلة بين الخلق، وتلتمس عزًا لا تَثْلِمه الليالي والأيام، ولا تَتحيَّفُه الدهور والأعوام، وهيبةً بغير سلطان، وغنىً بلا مال، ومنفعةً بغير سلاح، وعلاءًا من غيرِ عشيرة، وأعوانًا من غير أجرٍ، وجندًا بلا ديوان وفرض _ فعليك بالعلم؛ فاطلبه في مظانه تأتِك المنافع عفوًا، وتلق ما تعتمد منها صفوًا.
واجتهد في تحصيله ليالي قلائل، ثم تذوَّقْ حلاوة الكرامة مدة عمرك، وتمتع بلذة الشرف فيه بقية أيامك، واستبق لنفسك الذكر به بعد وفاتك.ص48
5_ وإذا تدبرت قول أمير المؤمنين علي÷فقال: =قيمة كل امرئ ما يحسنه+ كنت حقيقًا بالاجتهاد في طلب العلم أَوَانَ قدرتك عليه، غير معذور في التواني عنه، والتقصير فيه؛ لأن العاقل لا يعتمد تخسيس قيمته، ولا يغفل عما يرفع من قدره.ص50
6_ وقال بعض الأوائل: لا يتم العلم إلا بستة أشياء:
(1) ذهن ثاقب. ... (2) وزمان طويل. ... (3) وكِفاية.
(4) وعمل كثير. ... (5) ومعلِّم حاذق. ... (6) وشهوة.
وكلما نقص من هذه الستة شيء نقص بمقداره من العلم.ص52
7_ قال أبو هلال: فإذا كان العلم مؤنسًا في الوحدة، ووطنًا في الغربة، وشرفًا للوضيع، وقوةً للضعيف، ويسارًا للمُقْتِر، ونباهة للمغمور، حتى يلحقه بالمشهور المذكور _ كان من حقه أن يُؤْثَرَ على أنفس الأعلاق، ويقدم على أكرم العقد، ومن حق من يعرفه حق معرفته أن يجتهد في التماسه؛ ليفوز بفضيلته؛ فإن من كانت هذه خصاله كان التقصير في طلبه قصورًا، والتفريط في تحصيله لا يكون إلا بعدم التوفيق، ومن أقصر عنه أو قَصَّر دونه فليأذن بخسران الصفقة، وليقرَّ بقصور الهمة، وليعترف بنقصان المعرفة، وليعلم أنه غُبِن الحظَّ الأوفر، وخُدع عن النصيب الأجزل، وباع الأرفع بالأدون، ورضي بالأخس عوضًا عن الأنفس، وذلك هو الضلال البعيد.ص54