الصفحة 298 من 442

قال الشيخ: وكان الحفظ يتعذر عليّ حين ابتدأت أرومه، ثم عودته نفسي، إلى أن حفظت قصيدة رؤبة:

* وقاتم الأعماق خاوي المخترق* في ليلة وهي قريب من مائتي بيت.

وقد قال الشعبي: ما وضعت سوداء في بيضاء قطُّ، ولا حدثني أحدٌ بحديثٍ فاحتجتُ إلى أن يعيده علي.ص71 _ 72

14_ وينبغي للدارس أن يرفع صوته في درسه حتى يُسمع نفسه؛ فإن ما سمعته الأذن رسخ في القلب؛ ولهذا كان الإنسان أوعى لما يسمعه منه لما يقرأه، وإذا كان المدروس مما يفسح طرق الفصاحة، ورفع به الدارس صوته زادت فصاحته.ص73

15_ وحكي لي عن بعض المشايخ أنه قال: رأيت في بعض قرى النبط فتىً فصيحَ اللهجة، حسنَ البيان، فسألته عن سبب فصاحته مع لُكْنة أهل جلدته! فقال: كنت أعمِد في كل يوم إلى خمسين ورقة من كتب الجاحظ، فأرفع صوتي بها في قراءتها، فما مر لي إلا زمان قصير، حتى صرت إلى ما ترى.ص73

16_ وحكي لي عن أبي حامد أنه كان يقول لأصحابه: إذا درستم فارفعوا أصواتكم، فإنه أثبت للحفظ، وأذهب للنوم.

وكان يقول: القراءة الخفية للفهم، والرفيعة للحفظ والفهم، وكان بعضهم يقرأ الكتاب، ثم يذاكر به حرفًا حرفًا، كأن قارئًا يقرؤه عليه، فيفسره له.ص73

17_ واعلم أن الذكاء، وجودة القريحة، وثقوب الذهن جواهر نفيسةٌ، فإذا طلب صاحبها العلم فبلغ مبلغًا فقد حفظ جمالها على نفسه، وأحرز منفعتها لها.

ومن ترك الطلب حتى كَلَّ ذهنه، وعميت فطنته، وتبلدت قريحته، مع إدبار عمره _ كان كمن عَمَد إلى ما عنده من الياقوت والدر فرضَّه، وأبطل الجَمَال والنفعَ به.

وإذا كان ما جمعته من العلم قليلًا، وكان حفظًا كثرت المنفعة به، وإذا كان كثيرًا غير محفوظ قلت منفعته.ص74 _ 75

18_ وقال المنصور بن المهدي للمأمون: أيحسن بمثلي أن يتعلم؟

فقال: والله لأن تموت طالبًا للعلم خيرٌ من أن تموت قانعًا بالجهل.ص76

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت