فهرس الكتاب
5_ ومن أعظم أسباب هذا البلاء _ يعني العشق _ إعراض القلب عن الله؛ فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله، والإخلاص له لم يكن عنده شيءٌ قطُّ أحلى من ذلك، ولا ألذُّ، ولا أمتع، ولا أطيب.
والإنسان لا يترك محبوبًا إلا بمحبوب آخر يكون أحبَّ إليه منه، أو خوفًا من مكروه؛ فالحب الفاسد إنما ينصرف عن القلب بالحب الصالح، أو بالخوف من الضرر.
قال الله _ تعالى _ في حق يوسف: [كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ] يوسف 24.
فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور، والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله.
ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله، والإخلاص له بحيث تغلبه نفسه على اتباع هواها؛ فإذا ذاق طعم الإخلاص، وقوي في قلبه انقهر بلا علاج. ص99
6_ قال _تعالى_: [إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ] العنكبوت 45.
فإن الصلاة فيها دفع مكروه، وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل محبوب، وهو ذكر الله.
وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع ذلك المكروه؛ فإن ذكر الله عبادة، وعبادة القلب مقصودة لذاتها، وأما اندفاع الشر فهو مقصود لغيره على سبيل التبع. ص99 _ 100
7_ فجعل _ سبحانه _ غض البصر، وحفظ الفرج هو أقوى تزكية للنفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوالَ جميع الشرور من الفواحش، والظلم، والشرك، والكذب، وغير ذلك. ص100 _101
8_ فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا ينعم، ولا يسر، ولا يلتذ، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه.
ولو حصل له كلُّ ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن، ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده، ومحبوبه، ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح، والسرور، واللذة، والمتعة، والسكون، والطمأنينة.