الصفحة 35 من 442

وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له؛ فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله؛ فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] فإنه لو أعين على حصول كل ما يحبه، ويطلبه، ويشتهيه، ويريده، ولم يحصل له عبادة ربه _ فلن يحصل إلا على الألم، والحسرة، والعذاب، ولن يَخْلُصَ من آلام الدنيا، ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب له؛ بحيث يكون الله غاية مراده، ونهاية مقصوده. ص138

9_ وبذلك يصرف الله عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء كما قال _تعالى _: [كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ] يوسف 24 فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته ما يمنعه من محبة غيره؛ إذ ليس عند القلب السليم أحلى، ولا ألذُّ، ولا أطيب، ولا أسر، ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، وإخلاص الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيبًا إلى الله، خائفًا منه، راغبًا، راهبًا. ص139 _ 140

10_ وإذا كان العبد مخلصًا له اجتباه ربه، فأحيا قلبه، واجتذبه إليه، فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف ضد ذلك.

بخلاف القلب الذي لم يخلص لله؛ فإنه فيه طلبًا، وإرادة، وحبًا مطلقًا، فيهوى كلَّ ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه، كالغصن أي نسيم مرَّ به عطفه، وأماله، فتارة تجتذبه الصور المحرمة، وغير المحرمة، فيبقى أسيرًا عبدًا لمن لو اتخذه هو عبدًا له لكان ذلك عيبًا ونقصًا وذمًا.

وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق.

وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوبَ، والقلوبُ تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع بغير هدى من الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت