فهرس الكتاب
بخلاف إرادة المخلوق نفعك؛ فإنه يكون فيه مضرة عليك، ولو بتحمل مِنته.
فتدبَّر هذا؛ فإن ملاحظته تمنعك من أن ترجو المخلوق، أو تعامله دون الله _ عز وجل _ أو تطلب منه نفعًا، أو دفعًا، أو تعلق قلبك به. ص 47
13.فالقلب الطاهر؛ لكمال حياته ونوره، وتخلُّصُه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن، ولا يتغذى إلا بحقائقه، ولا يتداوى إلا بأدويته، بخلاف القلب الذي لم يطهره الله _ تعالى _ فإنه يتغذى من الأغذية التي تناسبه بحسب ما فيه من النجاسة؛ فإن القلب النجس كالبدن العليل المريض، لا تلائمه الأغذية التي تلائم الصحيح. ص 63
14.وسألت شيخ الإسلام _ يعني ابن تيمية _ عن معنى دعاء النبي": =اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج و البرد+."
كيف يطهر الخطايا بذلك؟ وما فائدة التخصيص بذلك؟ وقوله في لفظ آخر =والماء البارد+ والحار أبلغ في الإنقاء؟
فقال: الخطايا توجب للقلب حرارة، ونجاسة، وضعفًا؛ فيرتخي القلب، وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه؛ فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها؛ ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نارُ القلب وضعفُه، والماء يغسل الخَبث، ويطفئ النار، فإن كان باردًا أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد، وصلابة الجسم وشدتِه؛ فكان أذهب لأثر الخطايا.
هذا معنى كلامه، وهو محتاج إلى مزيد بيان وشرح. ص 64
15.وقريب من هذا أنه"كان إذا خرج من الخلاء قال:=غفرانك+."
وفي هذا من السر_ والله أعلم _ أن النجوَ يثقل البدن، ويؤذيه باحتباسه، والذنوبَ تثقل القلب، وتؤذيه باحتباسها فيه؛ فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب؛ فحمد اللهَ عند خروجه على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه، وخفةِ البدن وراحتهِ، وسأل أن يخلصه من المؤذي الآخر، ويريح قلبه منه ويخففه.
وأسرار كلماته، وأدعيته"فوق ما يخطر بالبال. ص 66"
16.فالأعيان النجسة إما أن تؤذي البدن أو القلب، أو تؤذيهما معًا.