فهرس الكتاب
26.ومن كيده العجيب: أنه يُشَامُّ النَّفْسَ، حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها: قوة الإقدام والشجاعة، أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة؟.
فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ في تثبيطه وإضعاف همته وإرادته عن المأمور به، وثقَّله عليه، فهوَّن عليه تركه، حتى يتركه جملة، أو يقصر فيه، ويتهاون به.
وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام، وعلو الهمة أخذ يقلل عنده المأمور به، ويوهمه أنه لا يكفيه، وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة فيقصِّر بالأول، ويتجاوز بالثاني، كما قال بعض السلف: =ما أمر الله _تعالى_ بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر +. ص 124
27.فالفتنة قسمت الناس، إلى صادق وكاذب، ومؤمن ومنافق، وطيب وخبيث؛ فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها. ص 532
28.فالعبد في هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمارة، وشيطانه المغوي المزين، وقرنائه وما يراه، ويشاهده، مما يعجز صبره عنه.
ويتفق مع ذلك ضعفُ الإيمانِ واليقينِ، وضعفُ القلب، ومرارةُ الصبر، وذوقُ حلاوةِ العاجل، وميلُ النفسِ إلى زهرة الحياة الدنيا، وكونُ العوضِ مؤجلًا في دار أخرى غير هذه الدار التي خلق فيها، وفيها نشأ؛ فهو مكلف بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طُلِب منه الإيمانُ به:
فوالله لولا الله يسعد عبده
لما ثبت الإيمان يومًا بقلبه
ولا طاوعته النفس في ترك شهوة
ولا خاف يومًا من مقام إلهه ... بتوفيقه والله بالعبد أرحم
على هذه العلات والأمر أعظم
مخافة نار جمرها يتضرم
عليه بحكم القسط إذ ليس يظلم
ص 533_ 534
29.وقد جاء في حديث مرسل: =إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات+.
فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة، والله المستعان. ص 537