فهرس الكتاب
42_ كان موضع العناية، ومحل القصد من الإمارة في نظر أولئك الخلفاء، ومن حذا حذوهم كعمر ابن عبد العزيز _ هو خدمة الدين، الذي هو خادم للعدالة، التي هي خادمة للصلاح، قال الشيخ قبادو التونسي:
وما الجاه إلا خادم الملك لائذًا
وما الشرع إلا خادم الحق مرشدًا ... وما الملك إلا خادم الشرع حزمه
وبالحق قام الكون وانزاح ظلمه
ص67
43_ولما انطوت أحشاؤهم على هذا المقصد الجميل أطلقوا سراح الرعية في أمرهم بالمعروف،وإحضارهم النصيحة، مثل ما سبق في خطبة أبي بكر الصديق÷ وكقول عمر بن الخطاب: =أعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف، وإحضاري النصيحة، وأعينوني على أنفسكم بالطاعة+.
وكانوا يوسِّعون صدورهم للمقالات التي توجه إليهم على وجه النصيحة، والتعريض بخطأ الاجتهاد وإن كانت حادةَ اللهجة، قارصةَ العبارة. ص68
44_ ثم خلف من بعد أولئك خَلْف عرفوا أن فطرة الدين وطبيعته لا تتحمل شهواتِهم العريضةَ، وألفوا بلاط الملك فسيح الأرجاء، بعيدَ ما بين المناكب.
ولكنه لا يسعفهم على أغراضهم، وتتبع خطواتهم مادامت أوصاله ملتحمة بالإدارة الدينية، ولم يهتدوا حيلة إلى فارق بينهما سوى أن يسدوا منافس الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر دون دعاة الإصلاح، وابتكروا ضروبًا من الخسف، وأفانين من الإرهاق كانوا يهجمون بها على الناس هجوم الليل إذا يغشى، وإذا سمعوا مناديًا ينادي؛ ليحق الحق، ويبطل الباطل كلَّموه بألسنة السيوف. ص69