فهرس الكتاب
45_ ولما أبق الملك من حضانة الدين، وخفقت عليه رايةُ الاستبداد خالط الأفئدة رعبٌ و أوجال كأنما مُزِجت بطينتها؛ فبعد أن كان راعي الغنم يفِدُ من البادية، وعصاه على عاتقه، فيخاطب أمير المؤمنين بـ: يا أبا بكر، ويا عمر، ويا عثمان، ويتصرف معه في أساليب الخطاب بقرارة جأش، وطلاقة لسان، وسكينة في الأعضاء _ أصبح سيد قومه يقف بين يدي أحد الكبراء في دولة الحجاج فينتفض فؤاده رعبًا، ويتلجلج لسانه رهبة، وترتعد فريصتُه وجلًا؛ يخشى أن يكون فريسة لبوادر الاستبداد. ص69
46_ إذا أنشبت الدولة برعاياها مخالب الاستبداد نزلت عن شامخ عزها لا محالة، وأشرفت على حضيض التلاشي والفناء؛ إذ لا غنى للحكومة عن رجال تستضيء بآرائهم في مشكلاتها، وآخرين تثق بكفاءتهم وعدالتهم إذا فوضت إلى عهدتهم بعض مهماتها. ص71
47_ والأرض التي اندرست فيها أطلال الحرية إنما تؤوي الضعفاء والسفلة، ولا تنبت العظماء من الرجال إلا في القليل، قال صاحب لامية العرب:
ولكن نفسًا حرة لا تقيم بي ... على الذل إلا ريثما أتحول
فلا جرم أن تتألف أعضاء الحكومة وأعوانها من أناس يخادعونها، ولا يبذلون لها النصيحة في أعمالهم، وآخرين مقرنين في أصفاد الجهالة يدبرون أمورها على حد ما تدركه أبصارهم.
وهذا هو السبب الوحيد لسقوط الأمة؛ فلا تلبث أن تلتهمها دولة أخرى، وتجعلها في قبضة قهرها، وذلك جزاء الظالمين. ص71
48_ ثم إن الاستبداد مما يطبع نفوس الرعية على الرهبة والجبن، ويميت ما في قوتها من البأس والبسالة.
فمن في كفه منهم قناةٌ ... كمن في كفه منهم خضابُ
فإذا اتخذت الدولة منهم حامية، أو ألَّفت منهم كتيبةً عجزوا عن سد ثغورها، وشُلَّت أيديهم من قبل أن يشدوا بعضدها. ص71
49_ وإذا أردت مثلًا يثبت فؤادك، ويؤيد شهادة العيان فاعتبر بما قصه الله