فهرس الكتاب
53_ ثم إن الحرية تعلم اللسان بيانًا، وتمد اليراعة بالبراعة، فتزدحم الناس على طريق الأدب الرفيع، وتتنوَّر المجامع بفنون الفصاحة، وآيات البلاغة؛ هذا خطيب يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك شاعر يستعين بأفكاره الخيالية في نصرة الحقيقة، ويحرك العواطف، ويستنهض الهمم لنشر الفضيلة، وآخر كاتبٌ، وعلى صناعة الكتابة مدار سياسة الدولة. 73
54_ ولم تكن ينابيع الشعر في عهد الخلفاء الراشدين فاغرةً أفواهها بفن المديح والإطراء، وإنما ترشح به رشحًا؛ وتمسح به مسحًا لا يضطهد من فضيلة الحرية فتيلًا.
وما انْفَلَّتْ وكاؤها، وتدفقت بالمدائح المتغالية إلا في الأعصر العريقة في الاستبداد. 73
55_ ولما وقر في صدر عمر بن عبد العزيز من تنظيم أمر الخلافة على هيئته الأولى لم يواجه الشعراء بحفاوة وترحاب، وقال: مالي وللشعر، وقال مرة: إني عن الشعر لفي شغل.
انتجعه جرير بأبيات، فأذن له بإنشادها، وقال له: اتق الله يا جرير ولا تقل إلا حقًَّا.
وعندما استوفاها واصله بشيء من حُرِّ ماله، فخرج جرير وهو يقول: خرجت من عند أمير يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء، وإني عنه لراضٍ، ثم أنشد يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيًا
ص73
56_ ومن مآثر الاستعباد ما تتجشَّأ به اللُّها، وتسيل به الأقلام من صديد الكلمات التي يفتضح لك من طلاوتها أنها صدرت من دواخل قلب استشعر ذلة، وتدثر صغارًا نحو =مُقَبِّل أعتابكم+ =المتشرف بخدمتكم+ =عبد نعمتكم+ ولا إخال أحدًا يصغي إلى قول أحد كبراء الشعراء:
وما أنا إلا عبد نعمتك التي ... نسبت إليها دون أهلي ومعشري
إلا ويمثِّل في مرآة فكره شخصًا ضئيلًا يحمل في صدره قلبًا يوشك أن ينوء بحمله بما فيه من الطمع والمسكنة. ص74