فهرس الكتاب
وتراه موقنًا تمام اليقين بأن العاقبة للتقوى، وللمتقين، وأن قَدَرَ الله في ذلك نافذ لا محالة، فلا يتسلل إليه اليأس مهما احلولكت ظلمة الباطل؛ فاعتماد القلب على قدرة الله، ولطفه، وكرمه يستأصل جراثيم اليأس، ومنابت الكسل، ويشد ظهر الأمل الذي يَلجُ به الساعي أغوار البحار العميقة، ويقارع به السباعَ الضارية في فلواتها.
7_ الرضا: فالمؤمنُ بالقدرِ قد تَسمُو بهِ الحال فيصل إلى منزلة الرضا، فمن رضي عن الله رضي الله عنه، بل إن رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه؛ فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده: رضًا قبله أوجب له أن يرضى عنه، ورضًا بعده هو ثمرة رضاه عنه.
ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين، وقرة عيون المشتاقين.
قال ابن القيم ×: =مَنْ ملأ قلبه من الرضا بالقَدَر ملأ الله صدره غنىً، وأمنًا، وقناعةً، وفرَّغ قلبه لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه.
ومن فاته حظه من الرضا امتلأ قلبه بضد ذلك، واشتغل عما فيه سعادته، وفلاحه. +
قيل ليحيى بن معاذ: متى يبلغ العبد مقام الرضا؟
فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه؛ فيقول: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت.
8_ الشكر: فالمؤمن بالقدر يعلم أن ما به من نعمة فهي من الله وحده، وأن الله هو الدافع لكل مكروه ونِقْمَة، فيبعثه ذلك إلى إفراد الله بالشكر؛ فإذا نزل به ما يحب شكر الله عليه؛ إذ هو المنعم المتفضل، وإذا نزل به ما يكرهه شكر الله على ما قدره عليه؛ كظمًا للغيظ، وسترًا للشكوى، ورعاية للأدب، وسلوكًا لمسلك العلم؛ فإن العلم بالله والأدب مع الله يأمران بشكر الله على المحاب والمكاره، وإن كان الشكر على المكاره أشقَّ وأصعبَ؛ ولذلك كان الشكر أعلى من الرضا.