فهرس الكتاب
ثم إن الإيمان بالقدر يطفئ حِدَّةَ الشَّرَهِ من قلب المؤمن، فلا يتكالب على الدنيا، ولا يريق ماء وجهه طلبًا لها، بل يتكرم ويسخو عما في أيدي الناس؛ فمن أنواع السخاء سخاءُ الإنسان عما في أيدي الناس.
12_ الشجاعة والإقدام، واطرح الخور والجبن: فالإيمان بالقدر يملأ قلب صاحبه شجاعةً وإقدامًا، ويُفْرِغُه من كل خور وجبن؛ لأن المؤمن بالقدر يعلم أنه لن يموت قبل يومه، ولن يصيبه إلا ما كُتب له، وأن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لن يضروه إلا بشيء قد كتبه الله له.
ومما ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ÷ قوله:
أي يوميَّ مِن الموت أفِرْ ... يوم لا يُقْدَرُ أم يوم قدِرْ
يوم لا يقدر لا أرهبه ... وإذا قدِّر لا ينجي الحذر
وكان معاوية ÷ يتمثل بهذين البيتين:
كأنَّ الجبانَ يرى أنه ... سيقتل قبل انقضاء الأجل
وقد تدرك الحادثات الجبان ... ويسلم منها الشجاعُ البطل
قال ابن القيم ×: =الذي يحسم مادة الخوف هو التسليم لله؛ فمن سلَّمَ لله، واستسلم له، وعلم أنه ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب له _لم يبقَ لخوف المخلوقين في قلبه موضع؛ فإن نفسه التي يخاف عليها قد سلمها إلى وليها ومولاها، وعلم أنه لا يصيبها إلا ما كُتِب، وأن ما كتب لها _أيضًا_ لابد أن يصيبها؛ فلا معنى للخوف من غير الله بوجه.
وفي التسليم _أيضًا_ فائدة لطيفة، وهي أنه إذا سلمها لله فقد أودعها عنده، وأحرزها في حرزه، وجعلها تحت كنفه، حيث لا تنالها يدُ عدوٍّ عادٍ، ولا بغيُ باغٍ عاتٍ. +
13_ القناعة وعزة النفس: فالمؤمن بالقدر يعلم بأن رزقه مكتوب، وأنه لن يموت حتى يستوفيه، وأن الرزق لا يجلبه حرص حريص، ولا يمنعه حَسَدُ حاسدٍ، وأن الخلق مهما حاولوا إيصالَ الرزقِ إليه، أو مَنْعَهُ عنه فلن يستطيعوا إلا بشيء قد كتبه الله له.