الصفحة 26 من 32

ومن هنا ينبعث إلى القناعة بما أوتي، وإلى عزة النفس والإجمال في الطلب، وإلى التحرر من رق الخلق ومنَّتِهم.

ولا يعني ذلك أن نفسه لا تطمح إلى المعالي، وإنما يعني القناعة بما يأتيه من عرض الدنيا بعد فعل الأسباب، بعيدًا عن الشح، والهلع والتكالب، وإراقة ماء الوجه.

وإذا رزق العبد القناعة أشرقة عليه شمس السعادة.

وإن كان بعكس ذلك تنغصت حياته، وازدادت آلامه وحسراته، بسبب نفسه الجشعة الشرهة، ولو مسَّتها القناعة لقلَّت مصائبه؛ لأن الشَّرِهَ سجين المطالب، أسير الشهوات.

ثم إن القناعة تضفي على صاحبها عزة النفس، وتُحْرزُ له وقارًا في العيون، وجلالة في القلوب، وترفعه من مواضع الذل والمهانة، فيبقى مهيب الجناب، موفور الكرامة، مرفوع الرأس، مرتاح الضمير، سالمًا من الهوان، متحررًا من رق الأهواء ومن ذُلِّ الطمع، فلا ينطلق في مجاري التملق والمداهنة، ولا يسير إلا وَفْقَ ما يمليه عليه إيمانه، والحق الذي يحمله.

وبالجملة فالذي يحسم مادة رجاء المخلوقين من القلب هو الرضا بقسم الله _عز وجل_ فمن رضي بحكم الله وقسمه لم يبق لرجاء الخلق موضع في قلبه.

ومن جميل ما يذكر في هذا الشأن ما ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ÷ وهو قوله:

أفادتني القناعة كلَّ عزٍّ ... وهل عِزٌّ أعزُّ من القناعةْ

فصيرها لنفسِك رأسَ مالٍ ... وصيِّرْ بعدها التقوى بضاعةْ

تَحُزْ ربحًا وتَغنى عن بخيلٍ ... وتنعم في الجنان بصبر ساعةْ

وقال الشافعي ×:

رأيت القناعة كنز الغنى ... فصرت بأذيالها مُمْتَسك

فلا ذا يراني على بابه ... ولا ذا يراني به منهمك

وصرت عنيًا بلا درهمٍ ... أمُرُّ على الناس شبه الملك

وقال الثعالبي: =ومن أحسن ما سمعت في القناعة قول ابن طباطبا العلوي:

كن بما أوتيته مقتنعًا ... تستدِم عسر القنوع المكتفي

إن في نيل المنى وشْكَ الردى ... وهلاك المرء في ذا السرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت