وحذر الله من مخالفة أمره و تَنَكُّبِ الدليل مع ظهوره، ولذلك أمر الله بالرجوع إلى العلماء لأنهم إن خالفوا كانوا أشد الناس عذابًا عند الله، فقد أخذ الله عليهم الميثاق.
يقول قتادة كما روى ابن جرير الطبري في تفسيره [1] : «هذا ميثاق الله أخذه على أهل العلم، فمن عَلِمَ شيئا فَلْيُعَلِّمْهُ وإياكم وكِتْمَان العلم، فإن كِتْمَان العلم هَلَكَة"."
فإن فَرَّطَ أهل العلم بالبلاغ والقيام بميثاق الله فعلى الأمة العفى والدمار.
فَفُتْيَا العالِم بغير ما يَعَلم كذب على الله، قال الله - سبحانه وتعالى - (( يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ) ) (الزمر: 60) ، فالفتوى بغير علم كذب، فمتى فرط العلماء في بيان مهمات الأمة وما يتعلق بمصيرها ونهضتها، وجعلوا الحديث للرعاع ضلت الأمة، وانحرفت عن مسيرها.
ومن نظر إلى حال المسلمين في الأندلس وحال علمائها لما انشغل علماؤها بالجزئيات عن الكليات، وانشغلوا عن الأصول بالفروع، وتركوا أصول الأمة التي هي بحاجة إلى غرسها في النفوس سقطت بلاد المسلمين، وقد ذكر بعض علماء المغرب:"أنه لما كان الاستعمار قد أتى إلى بلاد الشام قبل عقود، كان العلماء منشغلين بالفروع وبالجزيئات، وبالاختلاف وبالفرقة، والمستعمر على مشارف بلادهم، حتى قال أحد علماء المغرب: حينما قدمت الشام، والاستعمار على بلادهم قال: دخلت مجلسًا من مجالس أهل العلم، فإذا هم يتدارسون حال المرأة حينما يخرج لها لحية، هل يجوز أن تحلقها أم لا؟ حتى حل عليهم الدمار والوبال، وفرطوا فيما أمر الله بأخذه والقيام به، فحل ببلاد المسلمين ودمائهم وأعراضهم ودينهم ما حل."
وقد جعل الله العلماء هم الدلالة إلى الحق، والدلالة إلى الصواب، وجعل لهم في سبيل ذلك الأذى لتعلوا منزلتهم عنده، ولذلك يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -(( العلماء ورثة الأنبياء [2] .
الأنبياء ورثوا العلم من أخذه أخذ بحظ وافر، وورثوا أيضا تبعاته، ومن تبعاته ما يحصل للعلماء من أذية وابتلاء وامتحان، والوقيعة في أعراضهم.
(1) ـ (3/ 544) .