وقد حذر الله من عدم القيام بالحق وبيان الخير للناس، وتحذيرهم من الشر، وحذر الله من سلوك طريقة بني إسرائيل من كتمانهم للحق ولبسهم الحق بالباطل، ولذلك قال الله - جل وعلا - (( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) [آل عمران:71] .
وقال: (( وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) [البقرة: 42] .
وحذر الله من كتمان البينات التي أنزلها الله على نبيه للناس عامة، فقال: (( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) ) [البقرة: 159] .
قال القرطبي - رحمه الله تعالى: في تفسير هذه الآية [1] «أخبر الله أن من كتم الحق بعد ظهوره وبيانه عنده أنه ملعون بلعنة الله، ولعنة اللاعنين، وهم الملائكة» .
إذًا فالله قد أخذ على من أوتي علمًا ـ ولو كان يسيرًا ـ أن يجعل له الرفعة في الدنيا والآخرة، ومقابل ذلك ضريبة عظيمة إن فرط فيما أمر الله به، وإن حصل له ما حصل من السفهاء من التنقص والوقيعة في الأعراض، ولذلك كان رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ إمام الناس في ذلك.
والعلماء الحق هم الذين يخشون الله عز وجل في ذلك، ويخشون الله _ عز وجل _ في قولهم وفعلهم.
فبين الله أن من أعظم سماتهم وعلاماتهم هو خشيته، فقال سبحانه: (( إنمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) ) [فاطر: 28] .
ولما اختلف أصحاب رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ في بعض الأحكام كان قدوتهم هو أخشى الناس لله رسول الله، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، فقال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم -(( إن أعلمكم بالله، وأخشاكم، وأتقاكم له لأنا [2] لم؟.
لأنه كان هو صاحب الوحي المُنَزَّل فهو أعلم الناس وأخشاهم لله.
وقد علل رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ كونه أعلم الناس، أنه أخشاهم لله فهذا هو الأصل أن يكون العلماء هم أخشى الناس لله، وذلك لأنهم أعلم الناس بوحي الله، وكُلَّمَا كان الإنسان
(1) ـ الجامع لأحكام القرآن (2/ 181) .
(2) ـ البخاري (5063) من حديث أنس بن مالك _ رضي الله عنه _.