ذكر القاضي ابن أبي يعلى في الطبقات قال: ذُكِرَ في مجلس أحمد بن حنبل: معروف الكرخي فقال بعض من حضر: هو قصير العلم، فقال الإمام أحمد: أمسك عافاك الله، وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف.
فيعرف العلماء الحق بالعبادة والعمل، واجتناب المحرمات والتقلل من الدنيا.
ولذلك يقول الإمام أحمد: «سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما ازداد الرجل علمًا فازداد من الدنيا قربا إلا ازداد من الله بعدًا» .
وهذا هو الميزان في معرفة أهل العلم الحق، حملة الميثاق الصادقون القائمون بأمر الله، وهذا هو الميزان العدل، فإن الإنسان بعلمه خصيم نفسه، فإذا رأى الإنسان أنه كلما ازداد من العلم قرب من الدنيا، وقل من العبادة والعمل، فإن ذلك علامة بينة للخسارة وعدم التوفيق وعدم الإخلاص.
ولذلك يجب على الإنسان إن كان من أهل العلم، أو تحصل له علم يسير أن ينظر إلى عمله بما علم، فالعبرة إذًا بالعمل بما علمه من كلام الله لا بآراء الناس ولا الالتفات إليها، ولا الركون إليها.
يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: «علامة الزهد في الدنيا وفي الناس، أن لا تحب ثناء الناس عليك، ولا تبالي بمذمتهم، وإن قدرت ألا تعرف فافعل، ولا عليك ألا تعرف، وما عليك ألا يثنى عليك، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إن كنت محمودًا عند الله [1] » .
ومن أحب ألا يُذكر ذُكِر، ولذلك كان العلماء كلما ما ابتعدوا عن قول الناس وحب مدحهم كلما رفعهم الله، وكلما اقتربوا إلى حب الناس ومدحهم كلما أبعدهم الله، وأخمل ذكرهم وجعلهم في الأسفلين، وكم من الناس منزو في داره، لكنه من أهل الخشية والعبادة لله، فرفع الله ذكره وأعلى شأنه، وهذا مصداق كلام الله: (( إنَّمََا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) ) [فاطر: 28] .
وقد حذر الله مما يحول بين أهل العلم وبين قول الحق، والقيام بأمر الله، وحذر من ذلك أشد تحذير.
ومن أعظم ما يقوم به الإنسان العالم في هذه الأرض أن يصدع بأمر الله، وأن يقول لصاحب الباطل: أخطأت، ولصاحب الحق والخير: أصبت، ولذلك جعل الله مناط الخيرية بهم قال الله
(1) ـ حلية الأولياء (8/ 90) .